كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| الاستثمار في الثقة قبل الأرقام.. سر المعادلة المصرية

في الاقتصاد كما في الحياة لا تبنى الإنجازات على الأرقام وحدها بل على الثقة التي تولّد الأرقام وتمنحها معناها الحقيقي. فكل نهضة حقيقية تبدأ من إيمان الناس بأن الطريق الذي يسيرون فيه وإن كان طويلا وشاقا يقودهم إلى غد أفضل. ومن هنا تبدو التجربة المصرية في السنوات الأخيرة مختلفة؛ لأنها لم تُبنَ على معادلات رياضية باردة بل على معادلة الثقة الإنسانية قبل الحسابات الرقمية.

من يتأمل ما جرى في مصر منذ 2014 حتى اليوم يكتشف أن الدولة خاضت معركة استعادة الثقة قبل أن تخوض معركة التنمية. لم تكن المسألة مجرد مشروعات أو قرارات اقتصادية بل كانت استعادة لمفهوم القدرة أن تؤمن الأمة بأنها تستطيع أن تنجز رغم التحديات وأن تتجاوز الموروث الثقيل من الشك والانتظار والتردد.

لقد اختارت مصر أن تبدأ من الجذور لا من القشور فكان بناء الثقة بين الدولة والمواطن هو أول مشروع قومي حقيقي.

حين كانت دول أخرى تتحدث عن نسب النمو وميزان المدفوعات كانت القاهرة تتحدث عن الثقة في المستقبل، وعن دولة تستثمر في البنية التحتية للعقل والضمير معا.

لم يكن الطريق سهلا ولا سريعا ؛ فالثقة لا تُشترى بقرارات فوقية بل تُبنى بالثبات والمصداقية والشفافية. ومع مرور الوقت بدأت نتائج هذه الثقة تظهر:
مشروعات عملاقة لم تكن مجرد إنجاز هندسي بل إعلانا أن مصر تستطيع .
مدن جديدة خرجت من رمال الصحراء لتقول إن الحلم لم يعد رفاهية.
وشباب وجدوا في المبادرات الوطنية أبوابا تفتح أمام طاقاتهم بدلا من أن تُغلق في وجوههم.

اللافت في هذه التجربة أن مصر لم تراهن على الخارج بقدر ما راهنت على الداخل.
استثمرت في شعبها قبل أن تستدعي المستثمرين فحين شعر الناس أن دولتهم جادة وصادقة بدأ رأس المال يتجه بثقة إلى السوق المصرية لا مدفوعا بالإغراءات بل مطمئنا إلى الاستقرار والمصداقية.
ولذلك أصبحت الثقة – لا القروض ولا المنح – هي رأس المال الحقيقي الذي يُحرّك الاقتصاد المصري في لحظاته الدقيقة.

الثقة ليست شعارا بل بيئة متكاملة تشجع على العمل وتمنح الطمأنينة للمستثمر والمواطن على السواء.
من يقرأ المشهد المصري اليوم يلحظ أن الثقة هي العامل الخفي الذي جمع بين الدولة والمواطن والمستثمر في معادلة واحدة.

فالمواطن الذي يرى الخدمات تتحسن والبنية التحتية تتطور، والمشروعات تخلق فرص عمل حقيقية يبدأ في تصديق أن ما يُقال ليس وعودا وإنما وقائع.
والمستثمر الذي يرى دولة تحترم التزاماتها وتفي بوعودها، يشعر أن المناخ أكثر أمنا واستقرارا.
هكذا أصبحت الثقة هي العملة الصعبة التي لا تُدرج في جداول الموازنات لكنها تحدد مسار الاقتصاد وسرعة نموه.

وربما لهذا السبب لم تهتز التجربة المصرية رغم العواصف العالمية:
كورونا وحرب أوكرانيا وتداعيات الأزمات الإقليمية.
فحين تملك دولة قاعدة ثقة راسخة تستطيع أن تمتص الصدمات دون أن تفقد توازنها.
إنها ليست مجرد سياسات مالية بل علاقة وجدانية بين القيادة والشعب بين الحلم والقدرة بين الإرادة والنتائج.

من يراجع تاريخ الأمم يجد أن أكبر التحولات بدأت من لحظة ثقة.
حين آمن اليابانيون بعد الحرب بأنهم قادرون على النهوض تحولت أنقاضهم إلى مصانع.
وحين استردت ألمانيا ثقتها بنفسها صارت قاطرة أوروبا.
ومصر اليوم تسير على هذا الطريق ، فتبني ثقة من نوع خاص ثقة هادئة، واقعية، تستند إلى العمل لا إلى الشعارات.

قد يقول البعض إن الأرقام هي الفيصل لكن الأرقام بلا ثقة تصبح مجرد بيانات.
ما قيمة نسب النمو إن لم يشعر المواطن بثمارها؟ وما جدوى الموازنات إن لم تعكس أمانا في المعيشة وعدلا في الفرص؟
هنا يأتي جوهر المعادلة المصرية: أن الثقة هي الاستثمار الأول الذي يسبق كل شيء ومنه تتفرع بقية الاستثمارات.

إن من يتابع أداء الدولة المصرية في ملفاتها الكبرى — من مشروعات البنية التحتية إلى برامج الحماية الاجتماعية ، إلى الإصلاح الإداري والتحول الرقمي — يدرك أن الهدف الأبعد لم يكن مجرد تحديث الدولة بل إعادة بناء علاقة المواطن بوطنه على أساس جديد من الفهم والمشاركة.
وما حدث في السنوات الأخيرة هو انتقال تدريجي من مرحلة “اطلبوا منا الثقة” إلى مرحلة “ها هي الثقة تتحقق بالنتائج.

اليوم حين نتحدث عن الاقتصاد المصري ، لا يمكن أن نحصر النقاش في سعر العملة أو معدل التضخم لأن الاقتصاد الحقيقي هو الاقتصاد القادر على الصمود لا الاقتصاد المليء بالأرقام المؤقتة.
والصمود المصري في وجه العواصف لم يكن معجزة بل نتيجة تراكم الثقة: ثقة القيادة في شعبها وثقة الشعب في رؤيته وثقة العالم في استقراره.

لقد نجحت مصر في أن تجعل من الثقة موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الغاز أو قناة السويس أو السياحة.
فحين تكون الثقة حاضرة تتحول الأزمات إلى فرص والضغوط إلى دافع للإبداع.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تتعامل القاهرة مع التحديات الإقليمية والاقتصادية بعقل بارد وثقة هادئة لأنها تدرك أن أخطر ما يمكن أن تفقده أمة ليس المال ولا الموارد بل ثقة الناس في المستقبل.

إن الاستثمار في الثقة قبل الأرقام لم يكن مجرد خيار إداري بل فلسفة حكم وإدارة تقودها رؤية شاملة لدولة قررت أن تبني الإنسان قبل البنيان والوجدان قبل الميزان.. ولهذا يمكن القول باطمئنان إن سر المعادلة المصرية لا يكمن في المشروعات ولا في البيانات بل في ذلك الرصيد اللامرئي من الثقة الذي يجعل المصريين رغم كل الصعوبات مؤمنين بأن الغد سيكون أفضل.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى