كاتب ومقال

حين نصبح غرباء عن أنفسنا

وفى صمتنا نُشبه اشخاص اخرين

في لحظةٍ ما، قد تقودك الظروف لأن تُصبح شخصًا لا يشبهك، تُجبرك الحياة على ارتداء ملامح غريبة عنك، فتبدو قاسيًا في عيون الناس بينما أنت تحاول فقط ألاّ تنكسر.
يُقال عنك إنك تغيّرت، لكنهم لا يرون كيف التهمت الخيبات ما تبقّى من رِقّتك، ولا كيف اضطررت لتُخفي ضعفك خلف صلابةٍ لا تليق بروحك.
الرجل حين يُدفن في صمته ليس حجرًا، بل قلب أنهكته الخيبات المتكررة؛ كل مرة صدق فيها انقلب صدقه عليه، فاختار أن يُغلق أبوابه لئلا يدخل منها الألم.
يبدو متبلدًا وهو في الحقيقة يختنق من فرط الحس، يبتسم كي لا ينهار، ويصمت كي لا يخذل نفسه بكلمة.
والمرأة حين تتحوّل إلى صمتٍ حادّ لا يعني أنها فقدت الإحساس، بل لأنها تعلّمت أن البوح يُؤذيها أكثر مما يُريحها.
تبدو باردة، لكنها تحمل في داخلها أنينًا مكتومًا، كانت يومًا تفيض دفئًا حتى جفّها الخذلان، فاختارت أن تحمي قلبها بالجمود.
كلاهما يقف في مساحةٍ رمادية، بين ما كان يجب أن يكون وما اضطر أن يكون، بين صورته الأصلية وظله المشوّه بالظروف.
وحين يراهما الناس في تلك الحالة، يظنونهم تغيّروا، وما تغيّر في الحقيقة إلا شكل الحماية.
أن تكون غيرك أحيانًا لا يعني أنك خنت ذاتك، بل أنك أنقذتها.
تتقمّص القسوة كي لا تُستنزف، وتلوذ بالصمت كي لا تُفسَّر.
تتراجع عن المعارك لأنك أدركت أن البقاء لا يعني دائمًا الانتصار، بل أحيانًا أن تُبقي على نفسك حيًّا بعد كل هذا النزف.
وما أقسى أن تُرى “المدان” وأنت تحاول فقط أن تنجو، أن تُحسب قاسيًا لأنك كففت عن العطاء، أو أن تُتّهم بالخيانة لأنك لم تَعُد قادرًا على التحمّل.
كم من امرأةٍ وُصفت بالجمود وهي ما زالت تبكي في صمت،
وكم من رجلٍ وُصف بالبرود وهو يخوض حربه الأخيرة مع الانهيار.
وبالوقت، سيدرك من رآنا غيرنا أن كل تغيّرٍ فينا لم يكن يومًا ضدهم، بل لأجل أن نحمي ما تبقّى منا.
ستأتي لحظة يفهمون فيها أن من عاهد بقلبٍ صادق، لا يمكن أن يخون بعقلٍ مضطر، وأن من أجبرته الحياة على أن يكون غيره… لم يتخلَّ يومًا عمّا كان عليه حقًا.
نحن لا نتغيّر عبثًا؛ نحن نتشكّل من جديد تحت ضغط النجاة.
كل قسوةٍ فينا كانت يومًا وجهًا آخر للصدق، وكل صمتٍ نحمله كان صوتًا أُخمِد كي لا يؤذي من نحب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى