كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| الذكاء سلعة تباع وتشترى

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

توقع سام التمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI المالكة لأحد أشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروف بشات جي بي تي (ChatGPT)، أن يتحول الذكاء في المستقبل إلى سلعة تباع مثل الكهرباء والمياه. هنا استشهد بالكهرباء والمياه لأنهما – مع الوقود – في العصر الحالي يمكن اعتباره أساسيين للتقدم وأساسًا للتشغيل، وبدونهما تتقوض الحضارات ويعود الإنسان إلى العصر الحجري.

إذاً، فإن اعتباره للذكاء سلعة أساسية وأن شركات التكنولوجيا قد تتجه في المستقبل إلى بيع “الذكاء” لمن يريد ومن يدفع، وتفاضل بين المشترين بناءً على كمية ما يدفعونه أو من هم أو في أي شيء سيستخدمون هذا الذكاء، يعني أن كل شخص أو شركة، أو حتى دولة، تستطيع أن تركب “عداد استهلاك” يتم المحاسبة في نهايته على كمية ما تم استهلاكه من الذكاء خلال تلك المدة.

لا بأس، فلن تكون الإمكانية متاحة للجميع لامتلاك الذكاء الاصطناعي، أو ربما حتى مع وجود الإمكانيات الفنية والمالية، فإن حجم الاستهلاك البسيط يجعل عملية الامتلاك غير ذات جدوى اقتصادية. ويكون المثل الشعبي “شرَا العبد ولا تربيته” هو سيد الموقف.

قد ينظر البعض إلى هذا الأمر باستهجان أو ريبة أو تشكيك أو حتى رفض، لكن الحقيقة أن البشر عبر العصور كانوا يلجؤون إلى أمر مشابه، على نطاق أضيق بكثير. ولكن إمكانية شراء أو تأجير الذكاء والفكر والمعلومة موجودة بالفعل، منذ الاستعانة بالحكماء والمستشارين والحصول على نسخ من كتب المعرفة والموسوعات الجامعة. لكن لم يكن ذلك متاحًا للجميع، ولم يكن بنفس القدرة ولا القوة لدى كل من يملكون تلك الإمكانية، ولذلك استمر التباين بين البشر وبين المجموعات.

أما في المستقبل القريب، الذي سيكون فيه الذكاء الاصطناعي سلعة متاحة للجميع، فأين سيكون التمايز والاختلاف؟ كيف سنصف شخصًا أو مؤسسة أو مجتمعًا بأنه أكثر ذكاءً أو أقل ذكاءً من الآخر، هذا بافتراض الموضوعية والشفافية والتعادل في إتاحة وبيع المنتج للجميع بدون تمييز. أما إذا دخل التمييز، فعلينا أن نتوقع اختلافات وتمايزًا بين المجموعات، وانتشار صراعات جديدة بين الخير والشر وبين الذكاء الفائق والذكاء العادي. ستكون معركة سيضيع فيها الإنسان وعقله الطبيعي، وستسود الخوارزميات، ولم يُنظر إلى ذكاء الإنسان على أنه ذكاء، بل ربما يصل إلى اضمحلال تام، مثلما فقد الإنسان ذيله قبل 25 مليون عام من اليوم، ولم يتبقى له إلا العصعص، بحسب ما يعتقده بعض علماء الوراثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى