كاتب ومقال

حين نحتاج أن نُرى… قبل أن نضيع من أنفسنا

هناك لحظة لا ينجو منها أحد، لحظة يصطدم فيها الإنسان بحقيقة أنه يعيش بين الناس ظاهرًا، لكنه من الداخل غائب. يمشي، يتحمّل، يؤدّي ما عليه، لكن عينيه تطفئ شيئًا فشيئًا، وصوته الداخلي يخفت حتى يكاد يختفي. نعتاد الأقنعة لدرجة أننا نصدقها، ونتقن الصمت حتى يصبح جزءًا من تنفّسنا. ومع ذلك، يظل بداخل كل واحد منا احتياج بسيط، احتياج لأن يُرى. أن يشعر أنه ليس ظلًا، ولا دورًا، ولا واجبًا… بل روحًا تحتاج لطمأنينة، وللمسة تذكّره أنه حي.

الرجل مثلًا…

لا أحد يعرف مقدار التعب المختبئ خلف هدوئه. يتربّى على منع كل ما هو إنساني؛ يخاف أن يُظهر ضعفه لأنهم أقنعوه أن الضعف يهدّده، لا يريحه. يحمل ما يفوق طاقته، ويبتلع خوفه كأنه جزء من الرجولة. يبتسم وهو يقاتل، ويُطمئن الآخرين بينما قلبه يبحث عن كلمة واحدة فقط يقولها له أحد: “أنا شايفك”. لا يحتاج دعمًا صاخبًا، لكنه ينهار حين يحس أنه غير مرئي، حين يمشي بين الناس وكأن روحه تمشى وحدها. الرجل لا يريد أن يكون بطلًا… يريد فقط أن يتوقف عن لعب البطولة لحظة واحدة، أن يشعر أن تعبه مفهوم، وألمه ليس عيبًا، وأن كونه بشرًا لا ينتقص من وقاره شيئًا.

اما المرأة…

قلبها بحر، لكنها تُطالَب كل يوم أن تكون صلبة كالصخر. تُعطي بلا حساب، وتستوعب الجميع، وتُخفي تعبها حتى لا تُسمّى “مزعجة” أو “مُنهارة”. تتقن الاهتمام بالآخرين لدرجة أنها تنسى الاهتمام بنفسها. تتظاهر بالقوة بينما هي في الداخل تبحث عن لحظة سماح، عن حضن لا يسألها لماذا بكت، عن كلمة تعيد لها شيئًا من نورها المكسور. داخل كل امرأة طفلة صغيرة ما زالت تنتظر أن يرفع أحد عن كتفيها ثِقَل العالم، ويقول لها ببساطة: “ارتاحي… مفيش حد يستحق يشيل الدنيا لوحده”.

ومع الأيام، نخسر تفاصيلنا دون أن ننتبه. نخسر ضحكتنا الطبيعية، اندهاشنا الأول، خفتنا القديم، قربنا من نفسنا. نكبر… ليس بالعمر، بل بالمسئوليات، بالصمت، بالانشغال، وبالتظاهر الدائم أننا بخير. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يفقد نفسه دفعة واحدة… بل يتآكل ببطء،

حتى يستيقظ في يوم ما ويسأل: هو أنا فين؟ وليه ماعدتش حاسس بنفسي؟”.

ولأن الرجوع للنفس لا يحدث بانقلاب مفاجئ، يكفي أن تخفّف القسوة عن قلبك قليلًا. اسمح لنفسك بسكون قصير، بسطور تُقال من غير خوف، بلحظة صدق صغيرة مع روحك. استخدم يدًا خفيفة تمسح التعب بدل ما تداريه. أنصت لجواك من غير ما تحاكمه. ربّما تُفاجأ أن وجودك ما زال حيًّا… ينتظر فقط أن تمدّ إليه يدك.

يكفي أن تبدأ بأن ترى نفسك، قبل أن تطلب من العالم أن يراك، من هنا يبدأ كل شيء.

ولتعلم امراً..

أن أقسى أشكال الغياب، أن تتوارى عن نفسك وأنت ما زلت هنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى