كاتب ومقال

روايات عالمية| تانجو الشيطان

رحلة في متاهة الأمل واليأس

دعونا نتجول معا في واحدة من اجمل الرويات التي فاز صاحبها بنوبل مؤهرا واعني به لازلو كرازناهوري، لنتجول معا في دهاليز هذه التحفة الروائية الفريدة، حيث تقنص الكلماتُ الضوءَ فتحوله الى ظلام دامس كما تقنص الشخصياتُ الأملَ، فتحوله الى فناء كامل نتيجة اخطاءنا البشرية.
التانغو: حين يرقصُ السردُ في المكان، التانغو هنا ليس مجردَ رقصةٍ، بل فلسفةُ حركةٍ في السكونِ. خطوتان للأمام، أخرى للخلف، دورانٌ، توقّفٌ، ثم العودةُ إلى ذاتِ النقطةِ. كرازناهوركاي لم يكتُبْ روايةً، بل أنشأ رقصةً نصيةً فالفصول من الفصل الارل للفصل السادس، تندفعُ فيها القصةُ كأنّها انسان تائهٌ في ليلة سوداء، تروي الأحداثَ من زوايا عديدةٍ ومن مناظير مختلفة
أما الفصول من السابع وحتى الثاني عشر فيتجلّى فيها السرُّ، حيث نعودُ للخلفِ لنرى ما كان يختبئُ خلفَ الأقنعةِ، أو نكتشفُ توازياتَ الزمنِ في أماكنَ أخرى
هذا البناءُ ليس تقنيّاً فحسب، بل حالةُ وعيٍ مرئيةٍ. إنّه إحساسٌ بالدورانِ في الفراغِ، بأنّك تجرّبُ الحركةَ دونَ أن تبرحَ مكانك. كالتانغو تماماً: جسدانِ يتماوجانِ، لكنّهما لا يغادرانِ رقعةَ الرقصِ.
ولعلّ القارئ العربي يستحضرُ هنا بنيةَ ألف ليلة وليلة، حيثُ الحكاياتُ تلدُ حكاياتٍ. لكن في حينِ كانت تلك بناءً متعةً وتشويقاً، هنا نحنُ أمامَ بنيةِ اليأسِ المتكرّرِ: كلُّ قصةٍ تؤكّدُ أنّ لا مهربَ، وأنّ كلَّ خداعٍ سيُخدَعُ صاحِبُه, وفي ظني ان ذلة يحيلنا لمأساة سيزيف، وكذلك للغة كافك، انه يشعرك دائما بأنه اعاد انتاج كافكا في القرن الواحد والعشرين، وإلى أي مدى اصبح كافكا يجري في شرايين الكتاب اليهود بشكل عام.
اما عن الجملةُ في الرواية فتبدو كنهرٍ آسنٍ، إذا كانت الجملةُ العاديةُ بئراً، فإنّ جملَ كرازناهوركاي هي أنهارٌ آسنةٌ تمتدُّ لصفحاتٍ. وهذا ليس استعراضاً للقدرةِ، بل سيمفونيةُ بطءٍ تبدأ وتنتهي بالإيقاعُ المُنوّمُ حيث الجملةُ المتدفّقةُ بلا توقّفٍ تسحبُكَ إلى حالةِ تأمّلٍ ساحرةٍ. أنتَ لا تقرأُ بل تَغرَقُ في النصِّ، كغطّاسٍ يتركُ نفسَهُ لتيّارِ العمقِ.
كما ان الزمنُ لديه لزج كأن تسلح. في زئبق، وهكذا فانت لاتسبح بل تتخيل انك تسلح لانك في النهاية تقف في نفس المربع الصغير الذي بدات منه.
في القريةِ الميتةِ، لا يمُرُّ الزمنُ بل يَحِلُّ كالعسلِ الأسودِ. الجملةُ الطويلةُ تجعلُكَ تَذوقُ هذا البطءَ، تعيشُهُ في خلاياكَ.
كذلك تسبب لك هذه الجملة الطويلة انقطاعُ النَّفَسِ، فبغيابِ النقاطِ وعلامات الجمل والفقرات والوقفات ، تغيبُ فتراتُ الراحةِ. وهذا يُحاكي استحالةَ الهروبِ، أنّ لا ملجأَ للشخصياتِ حتّى في التنفّسِ.
دعونا نرى مثالٌ يجسّدُ ذلك:
«المطرُ ينهمرُ منذُ أسابيعَ، مطرٌ رماديٌّ باردٌ على الطرقاتِ الطينيةِ، على السقوفِ الصدئةِ، على النوافذِ المحطّمةِ، وعلى الوجوهِ التي توقّفتْ عن النظرِ إلى السماءِ، لأنّها عرفتْ أنّ لا شيءَ هناكَ، لا شيءَ سوى السحبِ الرماديةِ التي تشبهُ السحبَ التي كانتْ بالأمسِ، وقبلَ الأمسِ، وقبلَ عشرينَ عاماً…»
للقارئ العربيِّ تحدٍّ وجوديٌّ هنا، فنحنُ معتادونَ على جُملٍ موسيقيةٍ في سردِنا العربيِّ الكلاسيكيِّ. لكنّ هناكَ سوابقَ شريفةً: جبرا إبراهيم جبرا في البحث عن وليد مسعود، وإدوار الخراط في تجريبِهِ السرديِّ. فكيف نقرأُ هذا؟
الجوابُ بسيطٌ: لا تقرأْ لكي تنتهي، بل استسلمْ للغةِ. هذه روايةُ تجربةٍ، لا روايةُ حبكةٍ.
أما. القريةُ فهي جحيمٌ أرضيٌّ يأكلُ الأملَ، والمكانُ ليس خلفيةً، بل شخصيةٌ رئيسيةٌ في الروايةِ:
دعنا نرى معا هذا المشهدٌ الوجوديٌّ “مزرعةٌ جماعيةٌ سوفييتيةٌ سابقةٌ، انهارتْ معَ سقوطِ الشيوعيةِ. مبانٍ متهالكةٍ، مطرٌ دائمٌ، طينٌ يبتلعُ كلَّ شيءٍ. حيواناتٌ تموتُ، نباتاتٌ تذبلُ، وقلّةٌ من البشرِ: سكارى، مخادعون، يائسون.
يمكنك الحكم على شخصيات الرواية بأنهم بشر بلا أقنعة نبيلةٍ، فلا أبطالَ هنا ولا شهداءَ:
فوتاكي: سكيرٌ يحلمُ بالهربِ بمالٍ مسروقٍ
شميدت: مراقبٌ يكتبُ تقاريرَ لا معنى لها
إستيكي: طفلةٌ مهملةٌ تلقى حتفَها بشكل مأساوي (كأحدُ أقسى المشاهدِ في الأدبِ العالميِّ)
• إيريمياش: «المخلّصُ» الزائفُ، المحتالُ الذي يعملُ للشرطةِ
موضوع الرواية هو الوعودُ الكاذبةُ حيث يظهرُ إيريمياش (اسمُهُ يحيلُ إلى النبيِّ إرميا)، يعدُ السكانَ بـ«حياةٍ جديدةٍ، مكانٍ جديدٍ، بدايةٍ جديدةٍ». اليأسُ يجعلُهم يصدّقونَ، لكنّهُ محتالٌ يقودُهم إلى خرابٍ أعمقَ.
أما الدلالاتٌ الفلسفيةٌ للرواية فهي استعارةٌ عن:
• المخلّصينَ الكذبةِ عبرَ التاريخِ (زعماءُ، رجالُ دينٍ، ثوريون)
• حاجةِ الإنسانِ إلى اليقينِ حتّى لو كانَ زائفاً
• دورةِ الأملِ والخيبةِ التي لا تنتهي
ولكن ماذا سبكيزى القارئ العربي فيها؟
تلكَ القريةُ ليست بعيدةً عن حياة القارئ العربي، قرىٌ منسيةٌ، وعودٌ سياسيةٌ كاذبةٌ، «مخلّصون» يأتون ويذهبون، ثوراتٌ تتحوّلُ إلى خيباتٍ.
نجيب محفوظ رسمَ هذا في الحرافيشِ، والطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمالِ، حيثُ عودةُ المتعلّمِ لا تُغيّرُ القريةَ، بل تُكملُ مأساتَها.
هكذا، لم يكن كرازناهوركاي يكتبُ عن قريةٍ مجريّةٍ، بل عن كلّ مكانٍ يموتُ فيهِ الأملُ وتنتحر فيه الشجاعة، وتقتل فيه الأحلام، رواية حداثية عن سيزيف، وعن الالهة الذين يتلاعبون باجساد بشرية عن عالم يتسم بوضاعة مطلقة.

الكاتب والاكاديمي

  • د. زين عبد الهادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى