كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| الحداد الرقمي

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

منذ أيام، بينما كنت أتأمل شاشة هاتفي الذكي المضيئة في ظلمة الليل، وجدت نفسي أتوقف طويلاً أمام صورة ثابتة لوجه يبتسم في ذكرى ميلاده. لم يكن صديقًا عاديًا، بل كان رفيق درب فارقنا قبل سنوات بجسده، لكن صفحته الرقمية بقيت كشاهدٍ على وجود لم ينتهِ. في تلك اللحظة، تساءلت: كم منا يمرُّ يوميًا على تلك النُصب التذكارية الرقمية لأحباء رحلوا، نقرأها كمدونة حزن لا تنتهي فصولها؟ والحقيقة أن الأمر لا يقتصر على مجرد إشعار تلقائي من الشبكة يذكرك بذكرى ميلاده، أو صورة قديمة تظهر فجأة في “ذكريات اليوم”، فالمسألة أعمق من ذلك؛ إنها تجربة إنسانية معاصرة فريدة، تجبرك على تذكر الراحلين وتستحضر ذكرياتك معهم. كما أنها تدفعك إلى التساؤل عن من يدير الحساب حاليًا، وتعود بك إلى لحظات الوفاة وما بعدها مباشرة، حين يمسك أحد الأقارب – غالبًا أحد الأبناء – بهاتف الراحل لينعيه للأصدقاء، ثم يستمر في كتابة منشورات لبيان ميعاد الجنازة ومكان العزاء، ثم من وقت لآخر يضع بعض الأدعية للمتوفى، وفي نفس الوقت تثير لديك ذكرياتٍ في يوم ميلاده بين الحزن والترحم، وتذكر اللحظات الجميلة معه، وبين الاستغراب من بعض الأصدقاء الذين يستمرون في كتابة أمنيات التهنئة بعيد الميلاد وبعمر مديد، وهي إحدى النقاط الكاشفة لزيف العلاقات في هذا العالم الرقمي الفسيح.

وهذه المفارقة العصرية المؤلمة تسمح باستمرار منشوراته القديمة في الظهور للأحياء بحضور يمكن أن نسميه “الحضور الشبح”. وهو يخلق نوعًا خاصًا من الحداد الممتد، حيث تتحول زيارة الصفحة إلى طقس حنيني شخصي، يشبه زيارة القبور لكنه يتم في علانية تامة، وفي أي وقت، دون حاجة إلى الانتقال إلى مقبرة حقيقية قد تكون على بعد مئات الكيلومترات. وتشمل هذه الزيارة مشاعر مختلطة منها الحنين إلى الماضي، وكذا أيضًا تصور مستقبل محتمل لم يتحقق. فكل صورة مشتركة وكل تعليق سابق يصبح جزءًا من تاريخ ومن ماضٍ نعيد قراءته كأننا نبحث عن إشارة لم ننتبه لها، أو رسالة خفية تركت لنا.

بعض الأصدقاء، وخاصة عائلة المتوفى، نجدهم يضعون منشورات على الصفحة كما لو كان يقرأ، يشاركونه بأخبار الحياة، ويطلعونه على نجاحات تأخرت عن زمنه، أو يبثون فيها مشاعر الحنين والفقد أو يطلبون منه الدعاء كما كانوا يفعلون وهو حي بينهم. وفي بعض الأحيان تعطينا تلك الزيارة إحساسًا غريبًا لأننا نستمر في الحياة والنشر، والضحك، بينما تظل صفحته نافذة ثابتة على زمن جميل قد انتهى. ونشعر أحيانًا كأننا نتقدم في العمر وهو ما يزال يحتفظ بشبابه أو بحالته النهائية في صوره المنشورة.

للأسف، فإن هذا الإحساس قد لا يتاح طويلاً نتيجة بيروقراطية المنصات الرقمية وما تفعله الخوارزميات بتلك الصفحات. فبينما تعتبر الصفحة بالنسبة لأصدقائه وعائلته نصبًا تذكاريًا، تتعامل معها الخوارزمية كحساب خامل قد يتم حذفه لعدم النشاط. هذه القسوة الرقمية تضيف طبقة أخرى من المعاناة، حيث يصبح الحفاظ على هذا التراث معركة ضد إعدادات النظام التي لا تعرف الرحمة.

من الإشكاليات الكبيرة أيضًا مقارنة هذا الوضع بما كنا عليه قبل الدخول في هذه الشبكات. ففي الماضي، كان للفراق طقوس واضحة: عزاء، زيارة مقبرة، ثم محاولة التعايش مع الغياب. أما اليوم، صار الوداع عملية مفتوحة غير منتهية. فالصفحة الشخصية تمنحنا وهم الاستمرارية، لكنها في الوقت نفسه تمنعنا من إكمال عملية الفقد الطبيعية، حيث تجعلنا نعيش في حالة من الحداد المعلق. حداد نعلم فيه أن الصديق قد رحل، لكن أدلة وجوده تظل حية تتفاعل أمامنا كل يوم. لكن هذه هي إحدى التغيرات التي فرضها عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي؛ فربما تكون هذه الظاهرة إحدى عناصر الثمن الإنساني الذي ندفعه نتيجة العيش في عالم مزدوج: مادي وافتراضي. ولكن في وسط هذا الألم، قد نجد بذور عزاء صغيرة. فالصفحات التي لا تُغلق تتيح لأجيال لم تعاصر صاحبها أن تتعرف عليه، كأن الذاكرة الجماعية تنتقل رقميًا. وتذكرنا أن الإنسان – حتى بعد رحيله – يبقى جزءًا من النسيج الاجتماعي والإنساني، وهذا يدفعنا لنسأل أنفسنا: أي أثر رقمي سنترك نحن لمن سيأتون بعدنا؟ هل سنترك شيئًا ذي قيمة، أم ستشهد علينا تلك الصفحات سلبًا تمامًا مثلما قد تشهد علينا ألسنتنا وأيدينا وأرجلنا يوم القيامة بما كنا نعمل؟
اللهم أحسن حياتنا وخاتمتنا جميعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى