كاتب ومقال

حين يتحوّل الامتنان إلى استحقاق

حين يتحوّل الامتنان إلى استحقاق
حين يقول الإنسان في سرّه.. لن أجد مثله مرة أخرى.
فهو لا يعبّر فقط عن تقدير، بل عن خوفٍ خفي من الفقد. نمنح بعض الأشخاص في حياتنا مكانة نادرة؛ نراهم استثناءً لا يتكرر، حضورًا يصعب تعويضه، وطمأنينة لا تُشترى. لكن وسط هذا الإعجاب الصادق، يغيب سؤال أكثر عدلًا وعمقًا.. هل نحن، في نظرهم، الاستثناء ذاته؟
المفارقة النفسية أن الإنسان كلما شعر بأن الآخر متمسك به، ازداد اطمئنانه، وكلما ازداد اطمئنانه، قلّ حرصه. الخوف يجعلنا يقظين، أما الضمان فيجعلنا نتراخى. نحن نخاف خسارة من نظن أنه قد يرحل، لكننا نتعامل ببرود مع من نعتقد أنه باقٍ مهما فعلنا. وهنا، دون ضجيج، تبدأ الأنانية العاطفية.
لا تأتي الأنانية دائمًا في صورة قسوة صريحة، بل في صورة اعتياد. نعتاد الاهتمام حتى يصبح حقًا، ونعتاد الصبر حتى نراه واجبًا، ونعتاد الحب حتى نتعامل معه كشيء مضمون. نأخذ ولا نشعر أننا نأخذ، ونقصّر ولا ننتبه أننا نقصّر، لأن الطرف الآخر ما زال موجودًا، وما زال يحتمل، وما زال يمنح.
ومع الوقت تتحول العلاقة من مساحة تبادل إلى مساحة استهلاك. نطلب تفهمًا أكثر مما نقدم، وننتظر احتواءً أكثر مما نبذل، ونبرر لأنفسنا التقصير بثقةٍ زائدة في تمسك الآخر بنا. كأننا نختبر صبره دون أن نعترف أننا نفعل.
القيمة الحقيقية لأي علاقة لا تظهر في خوفنا من فقدها، بل في طريقة تعاملنا معها ونحن مطمئنون إلى وجودها. فالحب لا يُقاس بعبارة «لا يوجد مثله»، بل يُقاس بسلوك يومي يعكس هذا المعنى. التقدير ليس شعورًا داخليًا فحسب، بل ممارسة مستمرة تحفظ التوازن بين الأخذ والعطاء.
قبل أن تتمسك بفكرة أنك لن تجد شخصًا كهذا مرة أخرى، توقف لحظة واسأل نفسك بصدق: هل لو فقدك هو، سيقول الجملة ذاتها؟ أم أنك اعتدت الأخذ بعين واحدة، وأغمضت الأخرى عن مسؤوليتك في العطاء؟
العلاقات لا تضيع فجأة، ولا تنتهي بسبب حدثٍ واحد، بل تذبل تدريجيًا حين يتحول الامتنان إلى استحقاق، وحين يصبح الحضور مضمونًا أكثر مما ينبغي. وما نظنه أحيانًا وفاءً دائمًا، قد يكون صبرًا له حد، وحبًا يتآكل بصمت.
“ليست المشكلة أن تخاف فقدان شخصٍ نادر،
بل أن تفقده لأنك لم تتعامل معه كأنه نادر.”

بقلم:

د. محمود علام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى