
في الماضي، كان للجدل ناس وأماكن ومجالات محددة. أما الآن، ففي لحظة خاطفة وأنت تتصفح هاتفك بلا هدفٍ واضح، تجد نفسك وقد انجرفت إلى نقاشٍ طويل. يبدأ بسؤالٍ بسيط، ثم يتحول تدريجيًا إلى جدلٍ محتدم، ثم إلى معركةٍ كلامية لا نهاية لها. تمر الدقائق، ثم الساعات، وفي النهاية لا يتغير شيء، اللهم إلا طاقتك التي استُنزفت دون عائد. وفي بعض الأحيان، سمعنا عن حالات إصابة بجلطة دماغية أو أزمة قلبية جراء نقاش وجدل إلكتروني بين أطراف لم يحدث أن التقوا في الواقع، وذلك حول موضوع جدلي — وما أكثر تلك الموضوعات — وحتى أخبار الإصابة بالجلطة أو الأزمة القلبية أو حتى الوفاة تتحول إلى مادة يتم تداولها ونشرها بل وإثارة المزيد من الجدل حولها أيضًا.
الوضع السابق حالة فردية، بل هو نمط متكرر أصبح سمةً أساسية من سمات شبكات التواصل الاجتماعي حيث تحوّلت المنصات من أدوات للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحاتٍ مفتوحة للجدال، يتبارى فيها الجميع لإثبات وجهات نظرهم، لا بحثًا عن الحقيقة، بل رغبةً في الانتصار على الطرف أو الأطراف الأخرى بالباطل أو بالحق، لا يهم. المهم هو الانتصار.
إن الحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الاختلاف، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، بل في طريقة إدارة هذا الاختلاف. فنحن نرى كثيرًا من النقاشات تبدأ بلا أساس معرفي، وتستمر بلا هدف، وتنتهي بلا نتيجة. مجرد “خوض” في كل شيء، في السياسة أو الدين، أو الرياضة، أو في حياة الآخرين، وكأن المشاركة بحد ذاتها غاية، وأن من لن يشارك سيموت بعمر منقوص.
التعبير القرآني في الآية 45 من سورة المدثر «وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ»، كنا نعتقد أنه أمر صعب أو يمكن تجنبه أو اكتشاف مخاطره بسهولة. فالخوض ليس مجرد حديث، بل هو الانغماس في الكلام بلا ضابط، والانجرار خلف التيار دون وعيٍ أو تمييز. وكأن الإنسان يفقد استقلاله الفكري، فيتحدث لأن الآخرين يتحدثون، ويجادل لأن الجدل قائم، لا لأنه يملك ما يستحق أن يقال أو يتم تنبيه الآخرين إليه. إنها ثقافة القطيع الذي يجري في كل الاتجاهات ولا يعرف إلى أين أو لماذا يجري بالأساس. وإذا سألت أيًا من أفراد القطيع، سيقول لك “لا أدري، ولكن الآخرين يفعلون ذلك فأنا فاعله لذلك”.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تستهلك الوقت فقط، بالرغم من أن الوقت هو أغلى ما يملك الإنسان، فالدقيقة التي تمر لا تعود، ولكن تلك الممارسات تُرهق الذهن، وتُشتت التركيز، وتخلق وهمًا زائفًا بالأهمية وبالإنجاز. تشعر أنك نشط لأنك تناقش، ومؤثر لأنك ترد، بينما في الحقيقة لم تُضف لنفسك علمًا، ولم تُحقق تقدمًا. وإذا سقط الهاتف من يدك نتيجة وفاتك، لن يتغير أي شيء في الكون لا بالإيجاب ولا بالسلب. فالقطيع يضم مئات الملايين بل مليارات من البشر الذين يدورون في دوائر لا نهائية من الخوض والجدل.
ومع تكرار هذا النمط، نتساءل: هل المشكلة في المنصات؟ أم في طريقة استخدامنا لها؟ هل كان البشر كذلك قبل المنصات أم أن الاستعداد كان كامنًا في انتظار الوسيلة والفرصة؟ والحقيقة أن المشكلة في كل شأن في المنصات وأسلوبها الجذاب وفي طريقة استخدامنا واستسلامنا لجاذبيتها الفارغة.
على أي حال، إذا حاولنا أن نضع حلولًا، فلا أظنها تخرج عن ضرورة تحديد سبب الاستخدام والدخول إلى تلك المنصات. ففي كل مرة قبل أن تفتح إحدى منصات التواصل الاجتماعي، يجب أن تسأل نفسك: لماذا أنا هنا؟ وماذا أريد؟ وكم من الوقت يجب أن أمكث؟ ومن المهم تحديد مدة لا تزيد عن 30 دقيقة، ثم تغلق التطبيق مهما كان ممتعًا ومهما كان النقاش مهمًا أو محتدمًا. وقبل هذا، يجب أن تحتفظ بفراسة وحكمة التفريق والتمييز بين النقاش المثمر والجدل العقيم.
من النقاط الهامة في أي جدل أو نقاش – سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي – أن نتجنب التعليق الفوري، وأن نتمتع بقدر معقول من التجاهل فلا ننتبه ونتفاعل مع كل ما يقال أو يكتب. وأن نؤخر ردود الفعل أو التعليقات لبعض الوقت، وأن نركز وندقق كثيرًا فيما نضعه من تعليقات، وأن يكون المحتوى هادفًا لا يثير الجدل ولا يجرح أو يستهزئ بأحد.
ومن المهارات المطلوبة أيضًا مهارة التوقف بعد نصف ساعة، وهي الإزاحة وملء الفراغ، فنحن قد وصلنا إلى مرحلة إدمان نحتاج إلى الانشغال ببدائل حقيقية نافعة. وأخيرًا، في نهاية كل يوم، نقوم بتقييم تفاعلاتنا وأنشطتنا الرقمية تمهيدًا لتحقيق غدٍ أفضل.




