كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| عصر الصناعات الذكية.. كيف تُعيد مصر تعريف النمو؟

لم تعد مفاهيم النمو الاقتصادي في العصر الحديث مرتبطة بحجم الإنتاج وحده، ولا تقاس قوة الدول بما تملكه من موارد خام فحسب، بل بما تُحسن تصنيعه وتطويره وتوظيفه وبما تنتجه من أفكار وتقنيات وبُنى صناعية ذكية قادرة على اختراق الأسواق العالمية. وفي هذا السياق تمضي مصر بخطى واثقة نحو إعادة تعريف مفهوم “النمو”، ليس كمجرد رقم في تقارير صندوق النقد أو مؤشرات الناتج المحلي بل كنموذج جديد قائم على الصناعة الذكية والتحول الإنتاجي العميق.

لقد تجاوزت القاهرة في السنوات الأخيرة مرحلة “الرد على الشكوك”، وبدأت ترسم ملامح عصر صناعي مختلف لا يقوم على التوسع الأفقي في الإنشاءات وحدها بل على التعمق الرأسي في القيمة المضافة والذكاء الصناعي. مصانع جديدة لا تكرر نماذج الماضي بل تدمج بين الأتمتة، والتكنولوجيا، والاستدامة. مدن صناعية متخصصة لا تُنتج فقط بل تُبدع وتنافس وتُصدر وتُدرب وتُؤهل الكفاءات.

في شرق بورسعيد، والسخنة، ومدينة الروبيكي، والعاشر من رمضان، وبرج العرب، والعلمين الجديدة، تتبلور ملامح هذه الثورة الصامتة. مصانع للسيارات الكهربائية، ومكونات الطاقة المتجددة، وتكنولوجيا النسيج الحديثة، والدواء البيولوجي، والإلكترونيات، وغيرها من القطاعات التي تمثل مفتاح المستقبل في الاقتصاد العالمي تخرج من رحم البنية التحتية الصلبة التي بنتها مصر في العقد الأخير.

لكن الفارق الأهم ليس في المصانع نفسها بل في الفكر الاقتصادي الجديد الذي يحركها. فالدولة المصرية بدأت تعي أن النمو لا يُقاس بعدد “الشاحنات” الخارجة من بوابات المصانع بل بعدد البراءات المُسجلة والشركات الناشئة المُدمجة والشبكات اللوجستية المُتطورة والكوادر المدربة على أعلى مستوى. هنا فقط يصبح الإنتاج صناعةً للثروة لا مجرد تكرار للجهد.

في ظل هذا التوجه تتكامل السياسة الصناعية المصرية مع خطط التعليم الفني والتكنولوجي إذ باتت المدارس التكنولوجية التطبيقية والجامعات التكنولوجية الحديثة أذرعا رئيسية لدعم الصناعة الذكية لا مجرد كيانات تعليمية تقليدية. ولم تعد الدولة تكتفي بدور الراعي للصناعة بل أصبحت شريكا محفزا ومحركا ومؤثرا يمد القطاع الخاص بكل ما يحتاجه من تشريعات، ومناخ استثماري، وامتيازات تنافسية.

ومع دخول مصر نادي تجمع بريكس وبناء جسور اقتصادية مع دول كالصين والهند والبرازيل يصبح من الواضح أن الاقتصاد المصري لا يعيد فقط بناء مصنعه بل يعيد أيضا بناء خريطة علاقاته التجارية والإنتاجية وفقا لأولويات جديدة تقوم على الشراكة ونقل التكنولوجيا ، والتكامل الصناعي مع القوى الصاعدة ، لا على التبعية لأسواق استهلاكية بعينها.

اللافت أن الصناعة في مصر لم تعد تحيا في جزر منعزلة بل أصبحت جزءا من مشهد وطني أوسع ، تتكامل فيه الموانئ الذكية والمناطق الحرة ومحطات الطاقة العملاقة وشبكات الطرق والمواصلات ومشروعات الربط الإقليمي. وهذه ليست مجرد بنية تحتية بل أدوات لتحقيق قفزة نوعية في الناتج الصناعي ، وربطه بالأسواق الخارجية ، وتخفيض تكلفة الإنتاج وزيادة القدرة على التصدير.

وربما أهم ما يُحسب لهذه المرحلة أن الدولة لا تنظر إلى الصناعة بوصفها هدفا اقتصاديا فقط ، بل كـ رافعة للسيادة الوطنية. فمن يمتلك القدرة على إنتاج غذائه ودوائه وسلاحه وتكنولوجيته يمتلك قراره. وهنا يأتي دور الصناعة الذكية ليس كترف تنموي بل كضرورة استراتيجية لبقاء الدولة وتفوقها.

وفي مواجهة الأزمات العالمية من تقلبات أسعار الطاقة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد ، برهنت التجربة المصرية على أنها تُراهن على العمق الداخلي لا التعلق بفرص الخارج. اختارت أن تبني مصنعا بدلا من أن تنتظر معونة ، وأن تُنتج التكنولوجيا لا أن تستهلكها فقط. وتلك بداية صحيحة في زمن لا يرحم من يتأخر أو يتردد.

إن عصر الصناعات الذكية الذي تدخله مصر اليوم ليس مجرد عنوان لمرحلة بل مشروع حضاري يُعيد بناء الهوية الإنتاجية للدولة المصرية. هو انتقال من ثقافة المورد الخام إلى ثقافة العقل المنتج ، ومن مركزية الحكومة إلى تمكين القطاع الخاص ومن الحرفية التقليدية إلى الكفاءة الذكية المتكاملة. إنه ببساطة وللمرة الأولى منذ عقود حلم يتحرك على الأرض.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الرؤية من نوافذ أمل إلى واقع شامل ومن نماذج ناجحة إلى منظومة عامة. فالصناعة الذكية لا تُبنى فقط بالآلات ، بل بالعقول والخطط والتدريب والدعم المؤسسي المستدام. وإذا كانت مصر قد بدأت خطواتها بثقة فإنّ القادم قد يكون أكثر زخما وجرأة بشرط أن تستمر الدولة في هذا الاتجاه، وأن تؤمن بأن النمو الحقيقي ليس ما يُكتب في التقارير بل ما يُلمس في حياة الناس ويُصنع بأياديهم ويصدّر بأسمائهم.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى