كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “هل تشتاق للعام الماضي؟”

لم تكن المرة الأولى له في التعامل مع هذا المطعم، لكنها المرة الثانية على التوالي يصله الطعام بارد وشبه نيئ ولم يقبل السكوت عن هذا الإهمال الواضح والجسيم وقام بمهاتفتهم بصوت منفعل ومرتفع دون أدنى منه لمحاولة كتم غضبه أو إختيار عبارات مهذبة..

مكالمة قصيرة إنتهت بالسباب المتلاحق من فمه وإعلان حاسم وقاطع بمقاطعتهم وعدم التعامل معهم مرة أخرى في المستقبل وطلب فطيرة الجبن، وقف في مطبخ شقته وهو يتنفس بصوت مسموع من شدة إنفعاله وفتح الثلاجة وحدق فيها لدقيقة قبل أن يتيقن من خلوها من أي شئ سوى عدة بيضات ونصف علبة جبنة بيضاء..

تنهد وهو يجاهد نفسه لإستعادة هدوءه وقام بتحضير ثلاث بيضات بالسمن وقطعة صغيرة من الزبد وعاد للصالة وجلس في مكانه المعتاد وفتح شاشة التلفاز كعادته عند تناول طعامه في الآونة الأخيرة، لا يُنصت بجدية لما تنقله الشاشة وقليلًا ما ينظر لها بإهتمام ولكنه يبحث عن ضجيج التلفاز فقط لا غير..

جذب انتباهه جملة إعلانية من فم أنثى مفعم بالدلال وهى تسأل برقة:

هل تشتاق للعام الماضي؟

سؤال بسيط لم يكن الغرض منه غير الإعلان عن قدرة إحدى شركات الرحلات عن إعطاءك عرض بالقيام بنفس رحلتك في العام الماضي بنفس الأسعار رغم تحرك سعر الصرف عدة مرات..

ترك طعامه ولم يستسغ طعمه وشعر بنفور شديد من رائحة البيض المقلي وأغلق التلفاز وتمدد وأشعل سيجارة وهو يحدق في سقف الصالة والجملة بإيقاعها الرقيق الأنثوي تتردد من جديد بعقله،

هل تشتاق للعام الماضي؟

إزداد توهج شعلة سيجارته وهو يدميها بين شفتيه ويتذكر رغمًا عنه العام الماضي، حينها لم يكن يطلب وجبات من أي مطعم ولم يكن يدخل المطبخ إلا بطريقة واحدة لم تتغير أبدًا، يتسلل بخفة حتى يصل إليها ويضمها بدعابة وإشتياق وينهال على عنقها بالقبلات وسط صياحها الضاحك ومطالبته بالإبتعاد وترك فرصة لصنع الطعام، لكنه لم يكن يستجيب لنداءتها وفي كل مرة يتسبب في تأخر تحضير الطعام قرابة الساعتين..

في العام الماضي لم يكن ينتبه لوجود التلفاز في الصالة ولم يكن يهتم بمعرفة أرقام هواتف المطاعم المجاورة، لم يكن يعرف من الأساس أن البيض يوضع في الثلاجة وأن إناء السمن مكانه في الضلفة العلوية للمطبخ..

تداخلت الصور في رأسه وإمتزجت المشاهد وتخيل أنه يسمع نداءها يأتيه من المطبخ لمشاركتها في حمل الأطباق، ظل يفترس السيجارة تلو الأخرى والسؤال يطارد عقله كأنه وحش عملاق مصمم على إلتهامه..

هل تشتاق للعام الماضي؟

يعرف الإجابة من قبل سماع السؤال، غارق في الحنين ويتنفس الإشتياق في الصباح والمساء ونومه ويقظته، كل شئ حدث بغتة ودفعة واحدة كأنه مجرد حادث مروع لسيارة بسرعة جنونية لم يكن متوقع أو يحمل بداخله خطة لمواجهته، فقط إنفجر البركان وتطايرت الحمم وحرقت القصة برمتها ولم تنطفئ إلا بعد أن غادرته ولم يعد يجدها ليتسلل لمزاحها وتقبيل عنقها ومداعبة خصلات شعرها وهو يضمها بلهفة طفل غابت عنه أمه يوم كامل دون أن تضمه لصدرها وتهديه إبتسامتها..

السؤال أشعل نارًا حاول إخمادها ألاف المرات في عدة دقائق قصيرة والإجابة ضغطت بعنف وقسوة على مقلتيه وجعلت دمعه ينسال ويلامس فم سيجارته العاشرة..

الأمر لا يحتاج سوى التخلي عن عناده وخلع رداء الغضب ومهاتفتها وتقديم الإعتذار لها، صوت بداخله يحدثه بشفقة واضحة ويؤكد له أن لا شئ في ذلك وأنها تستحق تلك المحاولة وذاك التنازل عن عناده وغضبه..

طاوعته أنامله بتردد وهو يضغط على إسمها ويتصل بها، تأخرت في الرد حتى إنتهى الإتصال، دخن سيجارة جديدة وإلتهمها في أقل من دقيقة وعاود الإتصال مرة أخرى، سمع صوتها خفيض وهادئ وكأنه لعجوز تخطت التسعين من عمرها، صمت لثوان قبل أن يزفر بشجن ويخبرها أنه يريد الإعتذار..

تحول صوتها لموجات ترتفع وتعلو من الصياح الغاضب حتى تحول الصياح لطنين مؤلم حتى أنه لم يعد يستطيع تفسير حديثها أو يفهم كلامها وكأن حروفها تشابكت وإلتصقت وباتت عديمة التمييز والوضوح..

ترك الهاتف من يده وصوت طنينها يبتعد قليلًا ونهض وهو يراجع للخلف ويبتعد عن الهاتف حتى فقد القدرة على سماع الطنين والأحرف الملتصقة المتشابكة، إصطدم جسده بالطاولة خلفه، تلفت بذعر وهو يدرك أنه عاد للوراء أكثر من عشر خطوات دون أن يشعر، لفت إنتباهه دليل أحد المطاعم لم يجربه من قبل، تأمله ببطء وتفحص كامل أطباقهم ووجباتهم على مهل حتى قرر طلب وجبة دجاج مشوي مع الأرز والسلطات، عاد لهاتفه ووجد شاشته مظلمة والمكالمة إنتهت منذ دقائق دون معرفته..

إبتسم بسخرية مصحوبة بلوعة واتصل بالمطعم الجديد وهو يؤكد عليهم جودة الشواء وتمام نضج الطعام وقام بإعادة فتح التلفاز وهو ينتظر وصول الوجبة الجديدة.

بقلم
أحمد عبد العزيز صالح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى