كاتب ومقال

ديسمبر ليس وداعًا

بقلم: وفاء حسن

ديسمبر ليس مجرد رقم في نهاية التقويم، ولا محطة أخيرة نمرّ بها على عجل، بل مساحة هادئة للتأمل، لحظة يتوقف فيها الزمن قليلًا ليقول لنا إن الوصول بحد ذاته إنجاز. نحن الآن في الشهر الثاني عشر، نعم، قد يكون نهاية عام، لكنه في جوهره بداية خفية لعام جديد، أكثر نضجًا، أكثر فهمًا، وربما أكثر رحمة بنا.

ليست كل النهايات حزنًا كما اعتدنا أن نصدق. بعض النهايات تأتي لتغلق أبواب التعب برفق، وتفتح نوافذ الأمل دون ضجيج. ديسمبر لا يحمل وداعًا قاسيًا، بل يهمس بأن ما مضى كان درسًا، وما هو آتٍ فرصة. هو شهر يختصر 335 يومًا مرّت بما فيها من تعب ومحاولات، من خيبات صغيرة وانتصارات أكبر، من لحظات ضعف لم تُهزمنا، ولحظات قوة لم ننتبه لها إلا متأخرين.

في ديسمبر ندرك أن الاستمرار بحد ذاته شجاعة، وأن الوقوف حتى هذه اللحظة يعني أننا ما زلنا هنا، نعيش ونتنفس ونكمل. ليس ليحاسبنا هذا الشهر على ما فات، بل ليذكّرنا بأن القصة لم تنتهِ بعد، وأن كل ما عشناه صار جزءًا من ذاكرتنا، من وعينا، ومن قدرتنا على البدء من جديد.

وقد تكون النهاية في ديسمبر بداية أجمل مع من نحب، بداية عشرة تطول، وذكريات دافئة تتكاثر، وحب لا يشيخ رغم مرور الفصول. قد يكون نهاية حزنٍ طال، وبداية فرحٍ ناضج، نهاية فشلٍ علّمنا الطريق، وبداية إنجازات وُلدت من الصبر. فليست كل النهايات قاسية، فبعضها يُغلق المشهد على صورة جميلة ليترك المجال لما هو أجمل.

ديسمبر يشبه الشتاء، والشتاء ليس برودة فقط، بل دفء يُفتقد، واقتراب يُطلب، ومشاعر صادقة لا تختبئ. بالنسبة لي، الشتاء فصل الحب، لأن القلوب فيه تميل إلى الصدق، وإلى البحث عن الأمان، وإلى مشاركة اللحظات لا الهروب منها.

هكذا هو ديسمبر؛ نهاية لا تُخيف، وبداية لا تُعلن عن نفسها بصوت عالٍ، بل تنمو بهدوء في الداخل، لتقول لنا بثقة: ما دام في القلب نبض، وفي الروح أمل، فكل نهاية ما هي إلا بداية أخرى تنتظر الشجاعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى