كاتب ومقال

الحياة لا تُعطي دروسًا مجانية.

كل إدراكٍ حقيقي تدفع ثمنه من يقظتك، من وقتك، من قلبك أحيانًا. ليس النضج هبةً تُمنح، بل نتيجةٌ تتكوّن ببطءٍ تحت ضغط التجارب؛ نتيجةُ صدماتٍ هادئة، وخيباتٍ لم يسمع بها أحد، وانكساراتٍ كنتَ وحدك شاهدها وحاملها في آنٍ واحد.

نحن لا نكبر لأن السنوات تمضي، بل لأن الألم يُعلّمنا ما لم تُعلّمه الأيام السهلة. كل خذلانٍ كان تدريبًا على رؤيةٍ أوضح، وكل سقوطٍ كان كشفًا لحقيقةٍ لم نكن نملك شجاعة الاعتراف بها. وهنا تحديدًا تبدأ المرونة النفسية:

أن تفهم أن الألم ليس عدوًا، بل رسالة.

وأن الخسارة ليست نهاية، بل إعادة توجيه.

وأن الانكسار لا يعني الضعف، بل إعادة تشكيل.

الطمأنينة لا تأتي لأن العالم صار مثاليًا، بل لأنك تعلمت كيف تتعامل مع عيوبه. لا تأتي لأن الشر اختفى، بل لأنك صرت أهدأ من أن تبتلعه. الطمأنينة مهارة داخلية، وليست ظرفًا خارجيًا. إنها نتيجة إدراكٍ ناضج بأن السيطرة الكاملة وهم، وأن المرونة هي القوة الحقيقية.

القوة النفسية ليست صخبًا ولا استعراضًا.

هي أن تنهض دون إعلان،

أن تفهم دون أن تُجادل،

أن تمضي دون أن تُبرر.

هي أن تتغير لأن البقاء على حالك لم يعد خيارًا. فالتغيير في جوهره ليس قرارًا رومانسيًا، بل ضرورة وجودية. حين تدفعك الحياة إلى حافةٍ لا بديل فيها، تُولد نسختك الأقوى. لا لأنك تمنّيت ذلك، بل لأنك احتجت إليه لتبقى.

الحياة لا تُجامل أحدًا.

إما أن تتعلم، أو تعيد الدرس بصيغةٍ أشد.

وكل تجربةٍ مؤلمة هي درسٌ مؤجل، كان ينتظر منك شجاعة الفهم. الألم لا يزورك عبثًا، بل ليكشف لك منطقةً في داخلك تحتاج وعيًا أعمق.

“الوعي الذي لا يُولد من ألم، يظل سطحيًا. أما الإدراك الذي يُصاغ من الانكسار، فيبقى.”

فـلا تهرب من دروسك، ولا تُسرع في شفاءٍ لم يكتمل. اجلس مع ألمك قليلًا، اسأله ماذا يريد أن يعلّمك، ثم انهض بهدوء. فالقوة ليست أن لا تتألم، بل أن تفهم ألمك، ثم تختار رغم ذلك أن تمضي.

بقلم

د. محمود علام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى