
لا أدري هل هي ميزة ونعمة أم عيب ونقمة أن تعاصر مراحل مختلفة من التكنولوجيا. أن تبدأ بالانبهار بالهاتف الأرضي “أبو زراير” ثم خاصية “الأنسر ماشين”، مرورًا بكل التطورات الأخرى وصولًا إلى هاتف محمول ذكي يفوق سعره المئة ألف جنيه. في الحقيقة، هذا السؤال لا إجابة عليه. ففي بعض الأوقات أتصور أنها نعمة، أن تتجول عبر الزمن والتطور، وفي أوقات أخرى أتصوّر أن الحياة في عصر ثابت بلا تغيرات هو الأفضل.
صباح الجمعة الماضية، وأثناء قيامي بإعداد قهوة الصباح، وجدت صوت الرائعة شادية يأتيني من المذياع، صوت مختلف ومتميز لشخصية مبهجة وذات روح شابة حتى النهاية. ولكيلا أطيل على حضراتكم، فالأغنية بعنوان “مخاصمّني بقاله مدة” من كلمات عبد الوهاب محمد وألحان محمد الموجي، وغنتها شادية عام 1962، أي قبل 62 عامًا من الآن.
من مميزات فترات الصباح أيضًا صفاء الذهن والقدرة على التركيز في كافة مكونات الأغنية، وخاصة الكلمات، هذا المكون الأهم والذي لم ألتفت له في الماضي قدر اهتمامي باللحن والتوزيع والصوت. ولأول مرة أعرف أن الأغنية تدور حول حبيبين متخاصمين، وأن الفتاة تستخدم الهاتف لسماع صوت حبيبها نتيجة وحشة شعرت بها في إحدى الليالي، مما دفعها إلى “كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تاني”. وهنا بدأت في الانتباه وتساءلت: “ماذا حدث وكيف حدث؟” ووجدت أن المؤلف قد بنى سياق الأغنية على عدم إمكانية المطلوب أن يعرف من الذي يتصل به. فحتى تسعينيات القرن الماضي، أي بعد 30 عامًا من صدور تلك الأغنية، لم تكن خاصية “إظهار رقم الطالب” قد ظهرت.
الأغنية كانت أيضًا قبل ظهور الهواتف اللمسية، لم يكن هناك إمكانية للاتصال إلا من خلال إدارة قرص الهاتف، بدليل قولها: “بالليل والدنيا ضلمة دورت نمرته”، والدليل الأهم على عدم معرفته بالقائم بالاتصال هو قولها: “وسكت ما قلت كلمة وأنا باسمع همسته، قال أيوه الو.. مين؟”. هذه الأريحية سمحت لها أيضًا بتطوير نوعية المكالمة، وصولًا إلى قولها: “وفتحت الراديو مرّة على غنوة بتعجبه، سبت التليفون عليها وأنا بقصد أغلبه، سمعها للنهاية وفرحت إنه معايا، من غير ما هو يعرف وقفلت السكة تاني”.
كل هذا لم يُطمئنها، مما دفعها للاستعانة بأصدقائها للمزيد من المواجهة: “وفي مرة جم صحابي خليتهم يطلبوه، وغمزت لهم بعيني يعني عَنّي اسألوه، سألوه قام قال كلام ما فيهوش سيرة الخصام، اطمن قلبي حبه وقفلنا السكة تاني”.
ولأن الإنسان “نمرود بطبعه”، فالاطمئنان السابق دفعها لتصعيد المشاعر قائلة: “شايفين يا ناس عشانه أنا دايمًا باعمل إيه، أطلبه واشمعنا هو ما طلبش مرة ليه، ياريت يطلب ويقفل يعمل زي ما باعمل، أعرف إنه فاكرني لو قفل السكة تاني”.
الإشكالية أن الأغنية لم تنتهِ بأي تطورات أكثر مما بدأت إلا قليلاً. ففي النهاية، قالت: “أكمنه يا ناس واحشني وخصامه كمان حايشني، كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تاني”.
أعتقد أن المستمعين كانوا يتوقعون أن يشعر المطلوب بمن طلبه، أو يتحدث باسم الطالبة أو حتى أي اسم آخر فتشعر بخيانته وتتخذ الأغنية منحى آخر أو أي من الاحتمالات المسموح بها في ظل التقنيات المتاحة في هذا العصر، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، ربما لعدم الحاجة إلى تصاعد الأحداث أو محددات قصر حجم الأغنية أو لأسباب أخرى لدى المؤلف، ويجب علينا احترامها.
الإشكالية الأكبر أن التقنيات الحديثة نسفت الأغنية من أساسها، وأعتقد أن الأجيال الجديدة “زد” و”الفا” قد لا يفهمون أو يستوعبون الأمر. ربما لديهم أدوات جديدة يقومون باستخدامها لتحقيق نفس الفعل، وربما لا يقومون بذلك على الإطلاق في عصر تراجعت فيه المشاعر كثيرًا أمام المادية. أو ربما ستكون الأغنية القادمة عن مشاعر حب بين إنسان وتطبيق للذكاء الاصطناعي، وقد يحمل لنا المستقبل شجون علاقة عاطفية بين تطبيقين من تلك التطبيقات، ويكون علينا فقط أن نستمع ونتفهم ونحاول أن نتعاطف… ربما.




