كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| الصناعة الوطنية بين الإبداع والعقبات

بقلم: شحاتة زكريا

ليست الصناعة مجرد مصانع تقام ولا آلات تدار ولا أرقام تكتب في تقارير رسمية. الصناعة في جوهرها حكاية أمة تريد أن تقف على قدميها وأن تحجز لنفسها مكانا في عالم لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين. ولهذا فإن الحديث عن الصناعة الوطنية ليس ترفا اقتصاديا بل هو حديث عن الاستقلال الحقيقي وعن القدرة على تحويل الحلم إلى منتج والفكرة إلى قيمة والجهد إلى مستقبل..

في السنوات الأخيرة بدا واضحا أن هناك وعيا متزايدا بأهمية توطين الصناعة ليس فقط لتقليل فاتورة الاستيراد ولكن لبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات العالمية المتلاحقة. الأوبئة، والحروب التجارية، واضطرابات سلاسل الإمداد كلها كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على الخارج وأعادت طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا نملك نحن؟ وماذا نستطيع أن نصنع بأيدينا؟

الإبداع موجود ولا يمكن إنكاره. في ورش صغيرة ومصانع متوسطة وشركات ناشئة تظهر أفكار جريئة وتجارب تستحق الاحترام. شباب يبتكرون حلولا ومهندسون يطورون منتجات ورواد أعمال يحاولون كسر القوالب التقليدية. هناك طاقة حقيقية تبحث عن فرصة وعقول قادرة على المنافسة إذا وضعت في البيئة الصحيحة. المشكلة ليست في غياب الموهبة بل في المسافة بين الموهبة والسوق بين الفكرة والتنفيذ بين الحلم والواقع.

العقبات للأسف ليست قليلة. أولها التمويل الذي ما زال في كثير من الأحيان يميل إلى الأمان السريع بدل المخاطرة المحسوبة. البنوك تفضل المشروعات المضمونة والمستثمرون يبحثون عن العائد الأسرع بينما تحتاج الصناعة إلى نفس طويل وصبر ورؤية تتجاوز حسابات الربح العاجل. الصناعة لا تبنى بمنطق الصفقة بل بمنطق المشروع الوطني طويل الأمد .. ثم تأتي البيروقراطية تلك الكلمة الثقيلة التي يعرفها كل من حاول أن يبدأ مشروعا صناعيا. إجراءات تتشابك وتراخيص تتأخر ومسارات إدارية تستهلك الوقت والجهد قبل أن يستهلكهما السوق نفسه.

في عالم يتحرك بسرعة تصبح الدقائق فارقة فكيف إذا تحوّلت الشهور إلى عائق؟ تبسيط الإجراءات ليس رفاهية بل شرط أساسي لخلق بيئة جاذبة للإنتاج .. ولا يمكن تجاهل تحدي التكنولوجيا. الصناعة الحديثة لم تعد قائمة على الآلة وحدها بل على المعرفة، والبحث، والتطوير، والقدرة على الابتكار المستمر. هنا يظهر سؤال التعليم والتدريب: هل نعد عمالة ماهرة قادرة على التعامل مع التقنيات الجديدة؟ هل نربط الجامعات والمراكز البحثية بالمصانع والأسواق؟

الفجوة بين النظرية والتطبيق ما زالت واسعة وسدها ليس مهمة وزارة واحدة بل مشروع دولة كاملة .. ورغم ذلك فإن الصورة ليست قاتمة. هناك نماذج نجاح حقيقية تثبت أن الطريق ممكن وإن كان شاقا. مصانع استطاعت أن تحل محل المستورد وشركات بدأت تصدر بعد سنوات من المحاولة وتجارب أثبتت أن الجودة ليست حكرا على الخارج. هذه النماذج لا تحتاج فقط إلى التصفيق بل إلى التعميم: كيف نحول الاستثناء إلى قاعدة؟ وكيف نجعل النجاح قابلا للتكرار لا مجرد قصة ملهمة؟ الصناعة الوطنية تحتاج أيضا إلى ثقافة مجتمعية داعمة.

المستهلك له دور حين يختار المنتج المحلي ويمنحه فرصة عادلة للمنافسة. الإعلام له دور حين يسلط الضوء على قصص النجاح بدل الاكتفاء بسرد الأزمات. والمدرسة لها دور حين تزرع في الطفل احترام العمل اليدوي وتقدير قيمة الإنتاج بدل حصر الطموح في الوظيفة المكتبية فقط .. السياسة الصناعية بدورها يجب أن تكون واضحة ومستقرة. المستثمر لا يحب المفاجآت ولا يبني مصنعا على أرض متحركة. القوانين المتغيرة والقرارات المتقلبة تقتل الحماس قبل أن تقتل المشروع. المطلوب رؤية طويلة المدى تحدد القطاعات ذات الأولوية وتمنحها دعما حقيقيا لا شعارات موسمية. الدعم هنا لا يعني فقط الإعفاءات أو الحوافز بل يشمل البنية التحتية والطاقة واللوجستيات والتدريب وربط الصناعة بالسوق المحلي والإقليمي ..

والأهم من كل ذلك هو الإنسان. العامل الذي يشعر أن جهده مقدر والمهندس الذي يجد مساحة للإبداع وصاحب المشروع الذي يثق أن الدولة شريك لا عبء. بدون هذا الشعور تتحول الصناعة إلى مجرد أرقام وتفقد روحها. الصناعة في النهاية ليست جدرانا من خرسانة بل منظومة من البشر يعملون، ويخطئون، ويتعلمون، ويعيدون المحاولة.

نحن أمام لحظة فارقة العالم يعيد ترتيب أولوياته والاقتصادات تبحث عن قدر أكبر من الاكتفاء والمرونة. هذه اللحظة تحمل فرصة حقيقية للصناعة الوطنية لكنها لن تتحول إلى إنجاز تلقائيا. الفرص لا تكفي وحدها إذا لم تجد من يلتقطها ويحميها ويصبر عليها حتى تنضج.

الصناعة الوطنية بين الإبداع والعقبات ليست قصة صراع بل قصة اختيار. إما أن نختار طريق الإنتاج بما فيه من تعب وبناء تراكمي أو نظل أسرى الحلول السهلة والاعتماد على الخارج. الإبداع موجود والعقبات معروفة والكرة في ملعب الإرادة. وحين تتحول الإرادة إلى سياسة والسياسة إلى عمل والعمل إلى منتج يمكن عندها أن نقول إننا لم نعد نحلم بالصناعة الوطنية… بل نعيشها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى