كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “جنة هند”

بقلم: أحمد عبد العزيز صالح

كعادته وصل قبل موعد عمله بساعة كاملة، يحب فعل ذلك دائمًا حتى يتثنى له قيادة سيارته دون توتر وإحتساء فنجان قهوة قبل أن يبدأ عمله،

في أحد الأروقة لمح هند تقف بصحبة بعض زملاءه، تقف على اليمين ومع ذلك تشعر أنها تقف تمامًا بالمنتصف، رداء أبيض اللون به بعض الخيوط الملونة باللون الذهبي لون شعرها المتوسط الطول،

في كل مرة يلمحها يُفضل رؤيتها من بعيد، لها مكانة بداخله تجعل شجاعته تختفي وأينما بحث عنها لا يجد لها أثر، رؤيتها من بعيد والتحديق فيها دون أن تراه يُشعره بالراحة والهدوء، كل زملائهم بلا قيمة مضافة واضحة سواها، هى فقط لها أكثر من قيمة مضافة جعلوا منها نجمة ذات حضور وهيبة،

لمح سحابة غضب فوق ملامحها، باغتته رؤيتها بهذا الشكل مما سمح له بالعثور عن شجاعته الهاربة والإمساك بها والتقدم نحوهم وإلقاء السلام وهو لا ينظر لشخص سواها،

رؤيتها عن قرب واستنشاق عطرها ورؤية شفاهها وهى تتحدث أشعره بالخدر والدوار، جاهد حتى تمالك نفسه وإنطلق في الحديث الجماعي ثم إنحرف بخفة وذكاء وأصبح يقف أمامها مباشرًة ويحدثها بشكل منفرد،

حالة عطش ضخمة للحديث معها وسماع صوتها رغم أنه لم يستطع الإنتباه أغلب الوقت بسبب إحساسه المتكرر بالخدر والدوار من رائحة عطرها وفمها الشديد الصغير وهو يتكلم بطلاقة وثقافة لا يحملها إلا القليلون،

بعض القصص لا تحتاج لأكثر من اللقاء الأول وبعدها تبدأ فصول القصة وكأنها قديمة قِدم المعابد والأهرامات،

الإقتراب من هند يعني السقوط السريع في عشقها، ومن لا يقع في عشق إمرأة إجتمعت فيها كل أسباب العشق ومحركاته!، شديدة الجمال لدرجة الفتنة ببشرتها البيضاء وأعينها الملونة وفمها الذي توقف نموه عند سن العاشرة،

إقترابه منها لأول مرة جعله يسمع صوت روحها ويطربه ويدمنه ويدرك أنه أمام معجزة ربانية نادرة الحدوث، إمرأة واحدة وتحمل جمال الروح والشكل بنسب تكاد تكون متساوية،

أقبلت عليه بخطوات سريعة أصابته بالإرتباك، يشعر أمامها أنه محمل بالخطايا والذنوب والعدالة بالقطع لن تقبل ارتباط الشياطين بالملائكة، خطواته نحوها بدأت بطيئة تكاد تكون متحجرة بسبب شعوره الدائم بأنه لا يستحق مجرد الإقتراب منها،

شعرت به وأدركت بطء خطواته وإبتسمت وهمست له أن لا يتردد أو يجبن أو يتراجع أو يقرر الهروب، أيام متعددة وهى تطمئنه وتعامله معاملة الأطفال الأشقياء حتى هدأت روحه وإنطلق لسانه مصحوب أحيانًا بالدموع،

قص عليه كل شئ تذكره، حكى لها بمنطق من يشكو وليس بلسان الحكاء المسترسل، أخبرها بكل خطاياه دون أن تبذل أدنى جهد في سؤاله، حاجته للبوح كانت أكبر وأقوى من نظراتها المطمئنة لروحه،

سمعت ولم تغب إبتسامتها من فوق فمها الصغير وكأنه يقص عليها حكاية معروفة معادة من حكايات ألف ليلة وليلة، ربتت فوق ظهر يده برقة تفوق رقة أم تضم صغيرها بين ذراعيها تحثه على الراحة والإسترخاء والنوم،

أخبرها عن مخاوفه، له تاريخ حافل من التعثر والفشل والعلاقات السامة لا تؤهله لمجرد الوقوف بين يديها معلنًا عشقه لها، لم يكن ضحية ضعيفة إستباح الآخرون قتلها بدم بارد بإسم الحب، كان في بعض الأحيان هو الشيطان والمجرم الأوحد ورافع راية الندالة والخذلان،

مريض بحاجة لدواء قوي من صنع الجن والعفاريت، موقن أن أهل الأرض لا يستطيعوا علاجه وضمان شفاءه، لكنها فعلت.. فعلت بكل بساطة كأنه كان يشكو فقط من شعور خافت بالصداع،

وضعت إصبعها فوق شفتيه ليتوقف عن إعترافاته المشينة الحزينة وهمست له بصوتها المهدئ للأعصاب، دواءك الوحيد ألا تغادر ذراعي، شفاءك لن يتم إلا وأنت معي تمرح في جنتي وتطهر من خطاياك،

إبتسم.. إطمئن، ثم ضمها بين ذراعيه بقوة تفوق عشقه لها وهو يقسم ألا يفعلها ويخطئ مرة أخرى ويغادر الجنة.. جنة هند.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى