التحمل المرهق

أرهق ما في الأمر ليس الانتظار نفسه، بل أن تنتظر شيئًا وأنت تعرف أنه لن يأتي. تبقى واقفًا في المنتصف، لا تتقدم ولا ترجع، بين أمل يخبو كل يوم وباب مغلق لا يفتح. تتشبث بكلمة لعل رغم أنك تعرف في داخلك أنها لا رجعة لها، وتردد انتظر رغم أن الانتظار نفسه فقد معناه.
وما يزيد الأمر إرهاقًا أن الوهم لا يأتي وحده، بل يصحبه عشم ينمو داخلك ببطء. عشم مضلل ناعم، يربت على قلبك ويقنعك أن القادم خير. يبدو كالسراب من بعيد، تراه ماء ونجاة، فإذا اقتربت لم تجد إلا فراغًا وخذلان.
ليست المشكلة في المراوغة والمماطلة فقط، فتلك تستطيع أن تراها وتسميها. المشكلة في الصمت البارد، في اللامبالاة التي تتقن التمثيل. فتبدأ بالتساؤل بينك وبين نفسك، هل هو لا ينتبه حقًا أم أنه يتجاهل عن قصد. ومع كل سؤال تسحب منك الثقة نقطة، حتى تجد نفسك متكئًا على شعور مهتز لا يستند إلا إلى نية غائبة وكلام لا يسنده فعل.
ثم يأتي الألم الأكبر حين تكتشف أنك لم تكن ضحية وحدك. كنت شريكًا في كل لحظة كذب حين أغمضت عينيك وقلت عدها. كنت شريكًا حين منحت فرصة ثانية لمن لم يحسن استخدام الأولى. المخادع لا ينجح وحده، هو يحتاج إلى من يريد أن يصدق، إلى من يخادع نفسه ويقول هو لم يقصد، حتى يجد نفسه قد وقع على كل لحظة وجع بيده.
والمؤلم في كل ذلك ليس الخدعة نفسها. المؤلم أنك كنت تعلم من البداية وسكت. المؤلم أنك شاركت في الكذبة، وظننت أن صمتك قوة، فإذا به يتحول إلى قيد يشدك إلى مكان لا تريد البقاء فيه.
“أشد الخذلان أن تخذلك نفسك حين تغلق أذنيك عن الحقيقة التي همست بها منذ البداية”




