كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| بين الحلم الوطني والواقع المتغير

بقلم: شحاتة زكريا

لا تعيش الأمم على الخبز وحده ولا تبنى بالمشروعات وحدها ولا تستمر بقوة القوانين وحدها. فهناك دائما فكرة كبرى تسكن وجدان الشعوب تمنحها القدرة على الصبر حين تشتد الأزمات وعلى العمل حين تبدو الطريق طويلة وعلى التمسك بالأمل حين تتكاثر التحديات. هذه الفكرة هي ما يمكن أن نسميه الحلم الوطني ذلك الحلم الذي يشكل صورة المستقبل التي يتطلع إليها المواطنون ويمنح مسيرة الدولة معناها وغايتها.. غير أن الأحلام الوطنية لا تتحرك في فراغ بل تواجه دائما واقعا متغيرا تتبدل فيه الظروف الاقتصادية وتتغير فيه موازين القوى وتظهر تحديات جديدة لم تكن في الحسبان. وهنا تنشأ معادلة دقيقة بين ما نطمح إليه وما تسمح به الظروف بين الرؤية التي نتطلع إليها والواقع الذي نتعامل معه يوميا..

ولعل ما يشهده العالم اليوم يمثل نموذجا واضحًا لهذه المعادلة الصعبة. فمنطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من السيولة السياسية غير المسبوقة والاقتصاد العالمي يمر بموجات متتالية من الاضطراب والتكنولوجيا تعيد تشكيل مفاهيم العمل والإنتاج والمعرفة بوتيرة متسارعة. وفي ظل هذه التحولات لم يعد ممكنًا لأي دولة أن تعيش بمعزل عن تأثيرات العالم مهما بلغت إمكاناتها أو تنوعت مواردها..

وفي خضم هذا المشهد المتغير، تبدو مصر أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن ناحية تسعى إلى تحقيق طموحات تنموية كبيرة تستهدف تحسين مستوى المعيشة وتطوير البنية الأساسية وتعزيز القدرة الاقتصادية ومن ناحية أخرى تواجه ضغوطا خارجية ومتغيرات إقليمية ودولية تفرض عليها قدرا كبيرا من المرونة والحذر في إدارة مسارها..

إن الحلم الوطني المصري لم يكن يوما مجرد شعارات ترفع أو كلمات تقال في المناسبات. فمنذ عقود طويلة ارتبط هذا الحلم بفكرة الدولة القادرة على حماية أمنها وتحقيق التنمية لشعبها، والحفاظ على مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي. ومع كل مرحلة تاريخية كانت أدوات تحقيق هذا الحلم تتغير، لكن جوهره ظل ثابتا: بناء دولة قوية ومستقرة وقادرة على توفير حياة أفضل لمواطنيها..

لكن المشكلة التي تواجه كثيرا من المجتمعات لا تكمن في غياب الأحلام وإنما في الفجوة التي قد تنشأ أحيانا بين التوقعات والواقع. فالمواطن بطبيعته يتطلع إلى نتائج سريعة بينما تحتاج عمليات البناء والتنمية إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل. كما أن التحديات الاقتصادية لا تختفي بقرار ولا تتراجع آثار الأزمات العالمية بمجرد الرغبة في تجاوزها.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي باعتباره شريكا أساسيا في عملية التنمية. فالوعي لا يعني تبرير المشكلات أو تجاهل المعاناة وإنما يعني القدرة على رؤية الصورة كاملة وفهم طبيعة التحديات والتمييز بين ما هو مؤقت وما هو دائم وبين ما يمكن تغييره بسرعة وما يحتاج إلى وقت وجهد وصبر..

لقد أثبتت تجارب الأمم الناجحة أن الطريق إلى المستقبل لا يكون مستقيمًا دائما بل يمر بمنعطفات كثيرة ومحطات صعبة. وما يميز الدول القادرة على التقدم ليس غياب الأزمات عنها وإنما قدرتها على الاستمرار رغم الأزمات وعلى تحويل التحديات إلى فرص كلما أمكن ذلك..

وفي هذا السياق فإن التحولات التي تشهدها مصر في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتحول الرقمي والتوسع العمراني تمثل جزءا من محاولة إعادة بناء أسس التنمية على المدى الطويل. وقد تختلف الآراء حول بعض التفاصيل أو الأولويات وهو أمر طبيعي في أي مجتمع حي لكن ما لا يمكن إنكاره أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يفرض على الدول أن تفكر بعقلية المستقبل لا بعقلية اللحظة الراهنة فقط..

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة هو أن تفقد قدرتها على الحلم أو أن تستسلم لفكرة استحالة التغيير. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تقدمت لم تكن بالضرورة الأغنى أو الأقوى في بداياتها وإنما كانت الأكثر إيمانا بقدرتها على تجاوز العقبات وصناعة واقع جديد. كما أن الشعوب التي حافظت على تماسكها في أوقات الشدة هي التي نجحت لاحقًا في جني ثمار صبرها وعملها..

إن الحلم الوطني ليس وعدا بمستقبل خال من المشكلات بل هو تعهد جماعي بالسعي نحو الأفضل رغم وجود المشكلات. وليس المطلوب من المواطن أن يتجاهل التحديات التي يراها أو يعيشها بل أن يكون جزءا من عملية البحث عن الحلول وأن يدرك أن البناء الحقيقي لا يقوم على النقد وحده كما لا يقوم على التصفيق وحده وإنما يقوم على المشاركة والمسؤولية والعمل..

وفي النهاية يبقى التحدي الأكبر أمام أي دولة هو قدرتها على تحقيق التوازن بين الطموح والواقع. فلا الأحلام وحدها تكفي لصناعة المستقبل، ولا الانشغال بالواقع وحده يكفي للحفاظ على الأمل. وبين هذين الحدين تتحرك الأمم الناجحة بخطوات محسوبة تحمل في يدها خريطة الحلم وفي اليد الأخرى أدوات التعامل مع الواقع..

وهكذا تظل قيمة الحلم الوطني أنه البوصلة التي تحدد الاتجاه بينما يظل الواقع المتغير هو الميدان الذي تختبر فيه الإرادات والقدرات. وعندما تنجح أمة ما في الجمع بين وضوح الحلم وحسن إدارة الواقع فإنها لا تكتفي بمواجهة تحديات الحاضر بل تصبح أكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها وطموحات أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى