نقاوم ما نحب… ونتحمّل ما نكره

ليست المعضلة الكبرى في حياة الإنسان أنه لا ينال ما يشتهي، بل أن يقضي عمره كله في مقاومة ما أحب، والتعايش مع ما كره.
كأن النفس خُلقت وهي تمشي في اتجاهين متعاكسين؛ قلبٌ يركض نحو الحياة، وعقلٌ يشده إلى النجاة. وبين الحياة والنجاة، يخسر الإنسان شيئًا من نفسه كل مرة.
الغريب أن ما نحبه هو أكثر الأشياء التي نخافها. نخاف خسارته، ونخاف التعلق به، ونخاف أن يمنحنا ضعفًا لا نحتمله. لذلك نقاومه. نبتعد عن الأشخاص الذين أيقظوا فينا الحياة، ونكبت الكلمات التي كان ينبغي أن تُقال، ونتظاهر بأن الاستغناء فضيلة، بينما هو في كثير من الأحيان مجرد خوف يرتدي ثياب الحكمة.
أما ما نكرهه، فنحن لا نقاومه بالقدر نفسه. لأن الكراهية لا تُربك الإنسان كما يفعل الحب، بل تُخدره. نتأقلم مع الوظيفة التي تستنزف أعمارنا، ومع العلاقات التي تُطفئ أرواحنا، ومع الأيام التي لا تشبهنا، حتى يصبح الألم روتينًا، والاعتياد قيدًا لا يُرى.
ولعل أخطر ما يفعله الاعتياد أنه يسرق من الإنسان قدرته على إدراك أنه يتألم أصلًا.
الرجل غالبًا لا ينهار عندما يخسر ما يحب، بل عندما يكتشف أنه اضطر إلى دفنه حيًا داخل صدره. فمنذ سنواته الأولى يُربّى على أن الرجولة قدرةٌ على الاحتمال، لا على البوح. فيتعلم كيف يبتلع خيبته، وكيف يبتسم وهو ينزف، وكيف يُتقن أداء دور القوي حتى ينسى ملامحه الحقيقية.
لهذا يبدو الرجل في الخارج أكثر تماسكًا، بينما في داخله غرفٌ كاملة لم يدخلها أحد. ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه اعتاد أن يُخفي شعوره حتى عن نفسه. ومع الزمن، لا يقتل هذا الكتمان الحب، بل يقتل القدرة على الإحساس به.
لكن المرأة…
المرأة لا تخسر الأشياء بالطريقة نفسها.
هي لا تمنح من تحب مكانًا في قلبها فقط، بل تُعيد ترتيب عالمها كله حول وجوده. تفاصيلها الصغيرة، مواعيدها، دعواتها الصامتة، أحلامها المؤجلة، وحتى صورتها عن المستقبل… كلها تتشابك مع من أحبّت. لذلك حين تُجبر على مقاومة حبها، فهي لا تنتزع شخصًا من حياتها، بل تنتزع جزءًا من هندسة روحها.
ولهذا تتحمل المرأة ما تكره أكثر مما ينبغي.
قد تبقى في علاقة انطفأت منذ زمن، لا لأنها سعيدة، بل لأنها تخشى أن تُعيد بناء نفسها من الصفر. وقد تصبر على الجفاء، ليس لأنها اعتادته، بل لأنها تعرف أن القلب لا يُبدَّل كما تُبدَّل الأشياء. فالمرأة حين تهدم بيتًا داخلها، لا تجد دائمًا المواد التي تبني بها بيتًا آخر.
ولهذا يبدو صبرها للناس بطولة، بينما هو في كثير من الأحيان شكلٌ من أشكال الاستنزاف البطيء.
وأقسى ما في الاضطرار أنه لا يُعذب الإنسان بالوجع وحده، بل بحرمانه من حق الاختيار.
فالإنسان يستطيع أن يتحمل أقسى الظروف إذا كان يعلم أن باب الخروج موجود. أما حين يغيب البديل، فإن النفس لا تُرهقها المعاناة بقدر ما يُرهقها الشعور بالعجز. عندها لا يعود الألم حادثة عابرة، بل يتحول إلى هوية، ويصبح الصبر وسيلةً للبقاء لا فضيلة.
إن استحالة البديل ليست مجرد أزمة خيارات، بل أزمة وجود. لأنها تُحوّل الإنسان من كائن يعيش حياته إلى كائن يقضيها. ومن يبحث عن المعنى إلى من يكتفي بالاحتمال.
وحين يطول الاضطرار، تحدث الكارثة الحقيقية.
لا يموت القلب دفعةً واحدة، بل يتنازل عن نفسه بالتقسيط. يتخلى عن حلمٍ اليوم، وعن رغبةٍ غدًا، وعن جزءٍ من كرامته بعد غد، حتى يستيقظ ذات صباح فلا يجد داخله سوى شخصٍ يؤدي الحياة بإتقان، دون أن يعيشها.
ولذلك، ليست المأساة أن نُحرم مما نحب، فالحياة كلها قائمة على النقص، وإنما المأساة أن نستسلم لما نكره حتى يصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. أن يُقنعنا الخوف أن الضرورة قدر، وأن يقنعنا الزمن أن أرواحنا لا تستحق أكثر مما اعتادت عليه.
فالإنسان لا يُهزم يوم يخسر ما يحب…
بل يوم يتوقف عن الإيمان بأنه يستحقه.
“إن أكثر القبور امتلاءً ليست التي تحت التراب، بل تلك التي تمشي بين الناس؛ أجسادٌ ما زالت تتنفس، وأرواحٌ دفنت أحلامها لأنها لم تجد بديلًا لأوجاعها.”




