التعلّق المُرهق والاحتمالات المُستنزفة…

أن تبني حياتك على توقعات واستنتاجات تنسجها في خيالك بالطريقة التي ترضيك، لا بالطريقة التي يعكسها الواقع.
أن تمنح الاحتمال قيمة الحقيقة، وأن تتعامل مع ما تتمنى حدوثه وكأنه يحدث بالفعل.
أن تبالغ في صناعة الأمل رغم صعوبة الموقف ووضوح مؤشراته، لأنك لا تتمسّك بما تراه، بل بما ترغب في رؤيته.
أن تستنزف عقلك في تفسير كل تفصيلة، وتُرهق قلبك في قراءة ما بين السطور، وتبحث في كل موقف عن معنى يطمئنك، لا عن حقيقة تواجهك.
أن تُوقف أجزاءً من حياتك انتظارًا لاحتمال لم يمنحك يومًا ما يكفي من اليقين، لكنه منحك ما يكفي من الأمل لتستمر في الانتظار.
أن يتحول الغموض إلى مساحة خصبة للخيال، فيملأ عقلك الفراغ بما يشتهي، ويعيد تشكيل الواقع بما يتوافق مع رغباتك، حتى تصبح النسخة التي صنعتها في ذهنك أكثر حضورًا من الحقيقة نفسها.
فتفرح بأقل القليل، لا لأنه كثير، بل لأنك تحتاجه ليبقي قصتك حيّة.
وتصنع من حدث عابر حكاية كاملة، ومن إشارة بسيطة دليلًا، ومن لحظة اهتمام مشروعًا من الأحلام والتوقعات.
لا لأنك ساذج… بل لأن النفس حين تتعلق باحتمال، تبدأ في البحث عمّا يؤكده، لا عمّا يكشف حقيقته.
ومع الوقت لا يعود الاستنزاف ناتجًا عن الطرف الآخر، بل عن المعركة التي تدور داخلك.
معركة بين ما تراه وما تتمناه.
بين ما تعرفه وما تأمل أن يكون خطأ.
بين الواقع الذي يطالبك بالقبول، والخيال الذي يطالبك بالمزيد من الانتظار.
أما الرجل، فغالبًا ما يستهلكه هذا النوع من التعلق بصمت. يبدو منشغلًا بحياته من الخارج، بينما جزء كبير من طاقته الذهنية عالق في التحليل والتفسير وإعادة بناء الاحتمالات. فيفقد حضوره الكامل في واقعه، ويصبح أسيرًا لفكرة لم تُحسم، وسؤال لم يجد إجابته.
أما المرأة، فغالبًا ما تعيش الاستنزاف على مستوى الشعور اليومي. تصبح التفاصيل الصغيرة قادرة على رفعها أو إسقاطها نفسيًا، وتتحول الطمأنينة إلى شيء مؤجل باستمرار، مرتبط بإشارة أو موقف أو كلمة. فتعيش حالة ترقب طويلة، لا لأنها تفتقد المشاعر، بل لأنها تفتقد اليقين.
وفي الحالتين، لا يكون الألم الحقيقي في خسارة شخص، بل في خسارة أجزاء من الذات أثناء الانتظار.
في الوقت الذي كان يفترض أن تُعاش فيه الحياة، كانت الطاقة تُستهلك في التوقع، والمشاعر تُستنزف في التأويل، والعمر يمر بين “ربما” و”لعلّ”.
فبعض الناس لا تؤذيهم الحقائق القاسية بقدر ما تستنزفهم الاحتمالات المفتوحة.
ولا تُنهكهم النهايات الواضحة بقدر ما تُنهكهم القصص التي لم تبدأ ولم تنتهِ.
لم يكن عالقًا في علاقةٍ ناقصة، بل في احتمالٍ كاملٍ داخل خياله؛ ولهذا طال أسره، لأن الإنسان يستطيع مغادرة الواقع، لكنه نادرًا ما ينجو بسهولة من الأوطان التي بناها في رأسه.


