
قد يكون أخطر ما يحدث للأوطان ليس أن تتعثر مشروعاتها بل أن تتسع المسافة بين ما يُبنى على الأرض… وما يقال عنها في الهواء. فالكلمة مهما بدت عابرة قد ترفع وطنًا في عيون أبنائه وقد تهز ثقته في نفسه إذا فقدت الإنصاف. وبين معول البناء ولوحة المفاتيح تدور اليوم معركة لا تقل أهمية عن معركة التنمية نفسها.. فالأوطان لا تبنى بالحجر وحده كما أنها لا تهدم بالقنابل وحدها. هناك أوطان تنهار لأن أبناءها فقدوا الإيمان بها وأخرى تنهض لأن شعوبها قررت أن تمنحها فرصة حتى وهي تعترف بما فيها من أوجاع وتحديات..
ومن يراقب المشهد المصري خلال السنوات الأخيرة يدرك أن هناك وطنًا يتشكل على الأرض. طرق تمتد ومدن تنمو، وموانئ تتوسع، ومناطق صناعية تقام، واستثمارات تُستقطب، وجهود لا تتوقف لتحديث بنية الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة عالم تتسارع فيه المتغيرات. قد يختلف الناس في تقييم بعض السياسات أو ترتيب الأولويات لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن عجلة البناء لم تتوقف رغم أزمات اقتصادية عالمية وصراعات إقليمية ألقت بظلالها على الجميع.. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا بُني؟ وإنما: كيف نتحدث عما بُني؟
لقد أصبحنا نعيش زمنا تصنع فيه الانطباعات أسرع من الحقائق. خبر مقتطع أو صورة خارج سياقها أو تعليق غاضب قد يتحول في دقائق إلى رواية كاملة بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت أطول بكثير. وهكذا يصبح الوطن الذي نحكي عنه مختلفًا عن الوطن الذي نراه بأعيننا.
وليس المقصود هنا أن يتحول المواطن إلى مروج للإنجازات أو أن يغض الطرف عن أوجه القصور فالنقد حق بل ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم. لكن الفارق كبير بين نقد يفتح باب الإصلاح ونقد يغلق باب الأمل. وبين كلمة تبحث عن الحل وكلمة لا ترى إلا الهدم.. وأذكر مشهدا بسيطا يتكرر كل يوم. عامل يقف تحت حرارة الشمس منذ الصباح يشارك في إنشاء طريق أو محطة أو مصنع يعود إلى بيته في نهاية يومه منهكا لكنه يشعر أن جزءا من جهده سيبقى بعده. وفي المساء قد يقرأ تعليقا يسخر من كل ما أُنجز وكأن ساعات العمل الطويلة التي قضاها آلاف العمال والمهندسين لم تكن سوى سراب.. هنا لا يكون الظلم موجّها إلى مشروع بعينه بل إلى كل يدٍ آمنت بأن العمل هو الطريق الوحيد للمستقبل.
إن بناء الوطن لا يقتصر على ما تنفذه الدولة من مشروعات بل يمتد إلى ما يقدمه كل مواطن في موقعه. الموظف الذي ينجز عمله بإخلاص والمعلم الذي يغرس قيمة قبل أن يشرح درسا والطبيب الذي يخفف ألما والمزارع الذي يزرع أرضه والصحفي الذي يلتزم بالحقيقة… جميعهم يضعون حجرا في بناء الوطن حتى وإن لم تُكتب أسماؤهم على لافتة افتتاح.
لكن هناك وطنا آخر نبنيه كل يوم دون أن نشعر… نبنيه بالكلمات.. حين نردد شائعة دون تحقق نضع فيه صدعا وحين ننشر حقيقة موثقة، نضيف إليه لبنة. وحين نحول الخلاف إلى خصومة نخسر جزءا من تماسكه. وحين نختلف باحترام.نمنحه قوة إضافية.. لقد أصبحت الكلمة في عصر المنصات الرقمية أسرع انتشارًا من أي وسيلة أخرى ولذلك لم يعد الوعي رفاهية بل أصبح أحد عناصر الأمن المجتمعي. فكم من شائعة أحدثت بلبلة وكم من معلومة دقيقة أعادت الأمور إلى نصابها..
ومن الإنصاف أن نعترف بأن المواطن المصري تحمل خلال السنوات الماضية ضغوطا اقتصادية ليست بالهينة وأن مطالبه بحياة أفضل هي مطالب مشروعة. لكن من الإنصاف أيضا أن ندرك أن معالجة التحديات لا تكون بتزييف الواقع كما لا تكون بإنكار ما تحقق. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي ترى الصورة كاملة ترى الإنجاز لتبني عليه وترى الخطأ لتصححه.. إن الوطن ليس حكومة فقط وليس معارضة فقط، وليس مشروعًا يُفتتح أو قرارًا يُتخذ. الوطن هو ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان حريصً على سمعته كما يحرص على سمعة بيته ويجعله ينتقد بحب ويختلف بأدب ويعمل بإخلاص لأنه يعلم أن كل ما يفعله سيعود في النهاية على الجميع..
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالا مختلفا. بدلا من أن نسأل: ماذا قدم الوطن لي؟ لنسأل أيضًا: ماذا أضفت أنا إلى صورة وطني؟ هل كنت سببًا في نشر حقيقة؟ هل شجعت على قيمة إيجابية؟ هل احترمت القانون؟ هل أتقنت عملي؟ فالأوطان لا تصنعها القرارات الكبرى وحدها بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي يكررها ملايين الناس كل يوم..
وفي النهاية سيكتب التاريخ عدد المدن التي شُيدت والمصانع التي أُقيمت والطرق التي امتدت لكنه سيكتب أيضا كيف كان أبناء هذا الوطن يتحدثون عنه وهم يصنعون مستقبله.. فالأوطان لا تزدهر حين ترتفع المباني فقط، بل حين يرتفع معها منسوب الثقة والمسؤولية والصدق. ولا تسقط حين تتعثر المشروعات وحدها بل حين يفقد الناس إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.. لهذا سيظل الوطن الذي نبنيه بحاجة إلى سواعد تعمل وسيظل الوطن الذي نحكي عنه بحاجة إلى ضمائر تنصف.. فإذا التقى العمل الصادق مع الكلمة الصادقة… أصبح المستقبل أقرب مما نظن.




