
لا أعتقد أن مزج صفتين معًا سيكون خطيرًا مثلما هو الحال عند اقتران التفاهة بالكسل، خاصة في عصر شبكات التواصل الاجتماعي. لأن قبل وجودها، كان الكسل يمنعنا من التعرف على الشخص التافه أو على أفكاره التافهة أيضًا. أما اليوم، فال الأمر مختلف، يكفي لهذا التافه أن ينشئ حسابًا على تلك المنصات وينتشر لينشر التفاهة حول العالم بلا أدنى مجهود.
تذكرت اقتران التفاهة بالكسل أثناء إعادة ترتيب مكتبتي في إجازة العيد، حيث وجدت كتابًا صغيرًا من إصدارات كتاب الهلال بعنوان “أفكار تافهة لرجل كسول” من تأليف جيروم ك. جيروم، الكاتب المسرحي الإنجليزي الساخر، ومن ترجمة العالم المصري الدكتور أحمد مستجير.
في مقدمة الكتاب، يحذر الكاتب القراء قائلًا: “إن ما يطلبه القارئ من الكتاب في أيامنا هو أن يرفع من مستواه وأن يعلمه وأن يهذبه، وهذا الكتاب لا يهذب ولا حتى بقرة، ولا يمكنني بضمير مستريح أن أوصي به لأي غرض نافع أيًا كان، وكل ما يمكنني أن أنصح به هو أن تتناوله لتقرأ فيه نصف ساعة بعد أن ترهقك القراءة الجادة، سيكون هذا تنويعًا يدفع عنك السأم.” – انتهت مقدمة المؤلف المتوفى عام 1927.
بعد المقدمة، نجد الكتاب مقسمًا إلى أربعة عشر قسمًا يتناول كل منها أفكارًا ساخرة حول موضوعات أراها ما تزال على قائمة أولويات واهتمامات البشر حتى الآن. وهذه الأقسام هي: عن الإفلاس، عن الكآبة، عن الزهو والاختيال، عن الكفاح في الحياة، عن الكسل، عن الوقوع في الحب، عن الطقس، عن القطط والكلاب، عن الخجل، عن الأطفال الرضع، عن الطعام والشراب، عن الشقق المفروشة، عن الملابس والسلوك، وعن الذاكرة.
الكتاب ساخر ولا يمكن أن يوصف بأنه تافه على الإطلاق، فالحديث عن تلك الأمور كما جاء في الكتاب يتسم بالسخرية العميقة التي تحمل معانٍ وحكمة. بالطبع لن أسرد ما جاء فيها هنا، لأترك الفرصة لك، عزيزي القارئ، أن تبحث عنه وتقرأه.
ما أود أن أشير إليه هو تلك الحالة المتزايدة من التفاهة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، تفاهة مختلطة بكسل، فلا أحد يتعلم – إلا قليلًا – ولا أحد ينظر داخله – إلا قليلًا أيضًا – حيث تحولت نسبة كبيرة من المستخدمين إلى “صيادين” لكل تريند أو أمر غريب، سواء كان حقيقيًا أو نصف حقيقي أو مزيفًا بالكامل. المهم أن تستمر بحور الجدل وسيول الخلاف بلا هدف، والغريب أن الملل أو الضجر لا يتسلل إلى أغلب تلك النفوس التي هي في الأصل فارغة أو شبه فارغة. فالمثل يقول: “الفارغ يعمل قاضيًا”، وهو فضاء سمحنا به، ولا يبدو أننا نشعر بخطورته أو نرغب في تغييره، بالرغم من الكثير من التحذيرات والتنبيهات إلى خطورة هذا الأمر على العقل والروح والوجدان والجسم أيضًا. فهل ننتبه؟




