كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| حتى الملل محروم منه.. ياريتها دامت أيامه

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

نعم، إنه الملل عزيزي القارئ، فقد قرأت عنوان المقال صحيحًا. آسف على استعارة العبارة من أغنية كوكب الشرق السيدة أم كلثوم “سهران لوحدي” من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، فالأغنية الأصلية تقول: “حتى الجفا محروم منه.. ياريتها دامت أيامه.. كان عهد جميل، حاسد وعزول، والبال مشغول.”

عودة إلى عنوان المقال، نعم، إنه الملل، الإحساس بالفراغ وعدم وجود شيء تفعله أو تقوله، وربما أيضًا لا تجد شهية لأكل أو رغبة في النوم. هذا الإحساس نفتقده هذه الأيام في ظل الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الترفيهية والأخبار التي تهبط على عقولنا وتتسلل إلى أرواحنا في كل ثانية أو كسر من الثانية. كل هذا يجعل العقل في حالة اتقاد وعمل مستمرين، ويجعل الموجات والخلايا العصبية تعمل بصورة مستمرة مع فيوض من إفرازات لهرمونات مختلفة لا يفصل بينها الفاصل الزمني المناسب. فالقلق والتوتر يعقبه فرح وسعادة وانبساط، ثم يأتي القلق والرعب والإحساس بالخطر واليأس، ثم تأتي الفكاهة مرة ثانية، وهكذا دواليك، وكل هذا في ثوانٍ معدودة.

الملل الذي كنا نعتقد أنه من الأمور السيئة وكنا نحاول أن نتجنبه، اتضح أنه ليس سيئًا كما كنا نعتقد. فالملل هو بداية التأمل، والتأمل هو البيئة المناسبة للإبداع والابتكار، وحتى على المستوى الشخصي، لا تجد حلولًا لمشاكلك إلا في تلك اللحظات، ولا تجد وحي الفهم لأمور الحياة وما تمر به إلا بعد مرحلة ملل أفاضت إلى تأمل. لذلك كثيرًا ما تأتي الأفكار الإبداعية في لحظات التأمل والابتعاد عن الضوضاء. والأمثلة كثيرة، بدءًا من أرشميدس ونيوتن وصولًا إلى نجيب محفوظ ومحمد عبد الوهاب، وحتى رياض السنباطي، ملحن الأغنية، كان واحدًا من هؤلاء المبدعين الذين عرفوا قيمة العزلة والتأمل.

وهو حال العديد من المبدعين الذين وعوا أهمية العزلة والتأمل، فمارسوها في أوقات، وانفتحوا على العالم في أوقات أخرى، أو ربما مارسها بعضهم باستمرار.

في جميع الأحوال، علينا أن نعيد النظر في “الملل”، فربما لم يكن يومًا عدوًا لنا كما تصورنا، وربما كنا نهرب منه لأننا لم نكن نعرف ماذا يمكن أن نكتشف في داخله. ففي عالم لا يترك لنا لحظة واحدة بلا صوت أو صورة أو خبر، ربما أصبح الملل اليوم رفاهية… وربما أصبحنا في أمسّ الحاجة إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى