الاضطرار لا يكسرك دفعة واحدة بل يُعيد تشكيلك

أنا لا أكذب ولكني أتجمّل وإن صح القول أتحمّل
أعيش حياتي في صمت يبدو هادئًا من الخارج لكنه في الداخل استنزاف مستمر استنزاف بطيء صامت يأكل طاقتي روحي وضحكتي التي أصبحت مجرد قناع كل يوم أجد نفسي أمام نفس المعادلة ما يجب أن أفعله وما لا أستطيع تحمله كل قرار أصبح امتحانًا وكل مسؤولية تزيد من انحناء روحي حتى صار الانحناء جزءًا مني
الحياة لا تُجبرك دفعة واحدة بل تعيد تشكيلك ببطء خطوة خطوة تسحب منك القدرة على الرفض شيئًا فشيئًا حتى تجد نفسك تقبل ما كنت ترفضه يومًا دون أن تشعر
أحاول أن أبتعد عن الضجيج النفسي عن السؤال الذي لا يرحم ذلك السؤال الذي لم يعد وسيلة للفهم بل عبئًا إضافيًا يثقل قلبي حتى أصبحت الإجابات نفسها تثقل روحي مهما حاولت المقاومة مهما حاولت الصلابة أجد نفسي أذوب تدريجيًا كأن شيئًا داخلي يتبخر بلا رجعة وأنا أراقب نفسي وأنا أفقد القدرة على التمييز بين ما أختاره فعلاً وما يُفرض عليّ
أتحدث حين لا أريد الكلام أصمت حين أحتاج أن أصرخ وأبتسم حين كل شيء بداخلي يصرخ هذا ليس تماسكًا بل تكيّف قسري مع واقع لا يرحم
كل مرة أتنازل فيها كل مرة أقبل فيها ما لا أريده أحس بأن جزءًا مني يموت ببطء أدركت أنني لم أعد أختار ردود أفعالي بل أختار أقل الأضرار لأستمر فقط
وهنا تكمن القسوة الحقيقية أن الاضطرار لا يغيّر أفعالك فقط بل يعيد تشكيل روحك تدريجيًا حتى تتوقف عن الشعور بما تتحمله وتصبح نسخة قادرة على الاحتمال لا أكثر
مع كل عبء جديد تقل مناعتي وتزداد انحناءاتي تتقلص مساحة نفسي الداخلية ويكبر أثر التنازل حتى يصبح التحمل عادة والقبول استسلامًا صامتًا وحين أنظر إلى نفسي لا أجد سوى ظل لما كنت أعرفه يومًا ظل بدأ يتلاشى مع كل محاولة للبقاء صامدًا
أنا لا أكذب حين أبدو بخير لكنني أتجمّل أحذف من الحقيقة ما لا يُطاق وأُبقي منها ما يجعل الآخرين يعتقدون أنني ثابت ليس لأنني بخير بل لأن الانهيار لم يعد رفاهية لم يعد خيارًا متاحًا
كل يوم يمر بين اضطرار أعيشه ورفض أبغاه يصبح مقياس حياتي بين قوسين تمضي بالوقت لا بالإرادة وأمضي أنا فيها كظل لشخص كنت أعرفه يومًا ظل يتآكل ببطء يختفي بين صمت التحمل ومحدودية الاختيار
وأحيانًا حين أغمض عيني وحدي أرى نفسي كما كنت أرى ضحكتي الحقيقية أحلامي الصغيرة رفضي البسيط لما أرفضه ثم يختفي كل ذلك وأستيقظ على نفسي الحالية نسخة مخصّرة قادرة فقط على الاحتمال لا أكثر
“أصعب ما في الاضطرار أنه لا يجعلك تفعل ما لا تريده فقط بل مع الوقت يجعلك تنسى أنك كان لك اختيار من الأساس”



