رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| مضيق هرمز على حافة الاشتعال.. من يكتب سيناريو الطاقة القادم؟
بقلم: شحاتة زكريا

في الجغرافيا يبدو مضيق هرمز مجرد ممر ضيق تتقاطع عنده خرائط اليابسة والماء لكن في السياسة والاقتصاد هو نقطة ارتكاز العالم… حيث لا تمر السفن فقط بل تمر معها أعصاب الأسواق، وقلق الدول، وتوازنات لا تحتمل الخطأ.
هنا عند هذا الشريان الضيق تتكثف المعاني الكبرى للصراع. فكل ناقلة نفط تعبر تحمل أكثر من شحنة طاقة… تحمل معها رهانات اقتصادية، ورسائل سياسية، وحسابات دقيقة بين قوى تعرف جيدا أن أي خلل مهما بدا محدودا قد يتسع أثره ليصل إلى أبعد مما تتخيل.. اليوم يقف مضيق هرمز على حافة الاشتعال لا كعنوان خبري عابر بل كحقيقة تفرض نفسها على المشهد العالمي. التوترات المتصاعدة في المنطقة لم تعد مجرد توتر تقليدي يمكن احتواؤه بالتصريحات أو التهدئة المؤقتة بل أصبحت جزءا من معادلة أعمق تُدار فيها الأزمات بحسابات معقدة، ويُستخدم فيها الضغط الاقتصادي كسلاح مواز للتحركات العسكرية..
إيران بحكم موقعها الجغرافي تدرك جيدا قيمة الورقة التي تمتلكها. فهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعليا لتُربك العالم بل يكفي التلويح بذلك أو رفع منسوب التوتر لتشتعل الأسواق وترتفع أسعار الطاقة وتبدأ دوائر القلق في الاتساع. إنها معادلة قائمة على التأثير دون الفعل وعلى الحضور دون المواجهة المباشرة.. في المقابل لا تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها رفاهية التجاهل.
فحرية الملاحة في هذا الممر ليست مجرد مبدأ بل ضرورة استراتيجية تمس أمن الطاقة العالمي. لذلك يتصاعد الحضور العسكري وتتحرك القطع البحرية وتُرسل الرسائل في كل اتجاه وكأن الجميع يكتب على صفحة واحدة عنوانها: الردع دون الانزلاق.. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التصريحات أو الاستعراضات العسكرية بل في تلك المساحة الرمادية التي يتحرك فيها الجميع. مساحة لا هي حرب معلنة يمكن حساب تبعاتها ولا هي سلام مستقر يمكن البناء عليه. إنها منطقة التوتر المحسوب… التي قد تتحول في لحظة واحدة إلى خطأ غير محسوب..
اللافت أن أسواق الطاقة لا تنتظر وقوع الحدث لتتفاعل معه بل تسبق الأحداث بخطوة. فمجرد الحديث عن احتمالية إغلاق المضيق أو حتى تعثر الملاحة كفيل بأن يدفع الأسعار إلى الارتفاع ويُربك خطط الدول المستوردة ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد من اختبارات الصمود.. الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة تجد نفسها في موقف بالغ الحساسية. فهي تراقب المشهد بقلق وتحاول البحث عن بدائل لكنها تدرك أن البدائل مهما تنوعت لا يمكن أن تعوض الدور الحيوي الذي يلعبه هذا الممر في المدى القصير. وهنا يتحول المضيق من مجرد ممر مائي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي في آن واحد..
أما دول الخليج التي يمر جزء كبير من صادراتها عبر هذا الشريان فتعيش معادلة أكثر تعقيدا. فهي تسعى للحفاظ على الاستقرار وفي الوقت نفسه تجد نفسها في قلب التوتر تدرك أن أي تصعيد قد ينعكس مباشرة على اقتصادها وأمنها. لذلك تتحرك بحذر وتحاول أن تمسك العصا من المنتصف دون أن تفقد توازنها في لحظة قد تكون فارقة.. في خلفية هذا المشهد يبرز سؤال أكبر: هل نحن أمام أزمة عابرة أم أمام تحول أعمق في خريطة الطاقة العالمية؟
الإجابة في تقديري تميل إلى الاحتمال الثاني. فالعالم وإن كان لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز بدأ بالفعل في إعادة التفكير في منظومة الطاقة ككل. التوترات المتكررة والاضطرابات الجيوسياسية تدفع الدول إلى تسريع خطواتها نحو تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل وتقليل الاعتماد على الممرات الحيوية التي قد تتحول في أي لحظة إلى نقاط ضعف..
لكن هذه التحولات بطبيعتها لا تحدث بين ليلة وضحاها. فهي تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة وبنية تحتية قادرة على استيعاب هذا التغيير. وحتى يتحقق ذلك سيظل العالم مرتبطا بهذا المضيق… يتأثر به ويراقبه ويحسب خطواته على إيقاعه.. المفارقة أن الجميع يدرك خطورة المساس بمضيق هرمز ومع ذلك لا يتوقف عن استخدامه كورقة ضغط. إنها لعبة دقيقة تقوم على اختبار الحدود دون تجاوزها وعلى إرسال الرسائل دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. لكنها لعبة مهما بدت محسوبة تظل محفوفة بالمخاطر لأن هامش الخطأ فيها ضيق وتكلفته مرتفعة..
في النهاية لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر جغرافي بل يجب فهمه كمرآة تعكس تعقيدات النظام الدولي نفسه. هنا تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات وتتجلى هشاشة التوازنات التي يقوم عليها العالم.
ويبقى السؤال معلقا: من يكتب سيناريو الطاقة القادم؟
هل هي القوى الكبرى بحساباتها الدقيقة؟
أم الأحداث المفاجئة التي لا تخضع لتوقع؟
ربما الإجابة ليست عند طرف واحد بل في تلك اللحظة الفاصلة حين يختل التوازن فيكتب الواقع سطوره بنفسه دون استئذان.




