كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| ماذا لو استمرت البشرية في الإدمان الرقمي؟

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

في عالم اليوم، لم يعد السؤال هو ما إذا كنا نستخدم شبكات التواصل الاجتماعي، بل أصبح كم ساعة نقضيها يوميًا أمامها. والأخطر من ذلك هو قدرتنا على الابتعاد عنها لمدة أربعٍ وعشرين ساعة دون قلق أو توتر، ودون الإحساس بالفقد. فإذا كان تعريف الإدمان هو عدم القدرة على الامتناع عن شيء ما ليوم واحد دون ظهور أعراض انسحاب، فإنه يمكن القول إن الغالبية العظمى من البشر اليوم مدمنة بشكل أو بآخر على الشاشات. لكن ماذا يعني هذا؟ وما الذي قد يحدث لو استمرت البشرية في هذا الطريق دون وعي بخطورته؟ كيف ستكون هيئة الإنسان في المستقبل؟ كيف سيكون حال صحته وعقله وعواطفه وإنتاجيته وعلاقاته؟ وهل يمكن أن تظل الحضارة قائمة بينما يترك الإنسان نفسه يتآكل ببطء تحت ضوء الشاشات الزرقاء؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي محاولة لتوقع مصير قد نصل إليه أسرع مما نتصور، إن لم نتوقف لحظة لنفهم إلى أين نتجه. قبل أن نمد الخط على استقامته لنرى المستقبل، يجب أن نتوقف أمام الواقع كما هو. فقد أصبح الاستخدام المفرط لشبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإنترنت المختلفة بيئة كاملة تعيد تشكيل الإنسان نفسيًا وفسيولوجيًا واجتماعيًا.

نتيجة لهذا الإفراط، ظهرت أعراض سلبية عديدة، منها انهيار الانتباه وضعف التركيز، حيث أصبح العقل البشري معتادًا على الانتقال من فكرة لأخرى في ثوانٍ معدودة. ويمكن أن نصف عصرنا هذا بأنه عصر العقل المجزأ، حيث لم تعد القراءة العميقة أو التفكير الطويل أو الحلول المعقدة جزءًا من حياتنا اليومية. اليوم، نفتح الهاتف لنطمئن ألا شيء فاتنا، ثم نتركه لدقائق ونعيد الكرة مرة أخرى، مما يضعنا في حالة مستمرة من التوتر والقلق. عندما يفقد الإنسان السيطرة على وقته ورغباته وسكينته الداخلية، يصبح ضحية لنظام أكبر منه.

ملايين الناس لا يستطيعون النوم دون الهاتف، ولا يقضون دقيقة انتظار دون تمرير الشاشة، ولا يتحملون الصمت لأنه يذكرهم بالفراغ داخلهم، مما يؤدي إلى مقارنة مستمرة مع الآخرين. فلم يعد التنافس متعلقًا بالنجاح الحقيقي، بل بصورة منمقة على الشاشة. يشعر الشاب بالنقص لأنه لا يعيش مثل المؤثرين، بينما تشعر الفتاة بالقلق لأنها لا تشبه الجميلات ذوات الصور المعدلة. ومن ثم، يتحول الإنسان إلى كائن يقيم ذاته بعيني الآخرين لا بعينيه هو.

إدمان الشاشات يسبب تآكل العلاقات الإنسانية. الحديث الحقيقي أصبح نادرًا، والمشاعر تُرسل عبر الضغط على علامات الإعجاب أو الرفض أو الحب، فيما اختُزلت الحميمية والمجاملات الإنسانية في محادثات سريعة. حتى الجلسات العائلية أصبحت مشوشة بالهواتف، مما يؤدي إلى الانعزال النفسي وتضخم شعور الوحدة. ورغم كثرة التواصل عبر الشبكات الاجتماعية، فإن الإنسان يزداد شعورًا بالوحدة، لأن ما نعيشه ليس تواصلاً حقيقياً، بل محاكاة غير قادرة على إشباع الحاجة الإنسانية للقرب.

على المستوى الشخصي، تتفاقم مشكلات الصحة النفسية، حيث قد يصبح الاكتئاب والقلق والأرق أمراضًا طبيعية لجيل كامل، بينما يمسى الغريب هو الشخص السعيد المتوازن. الإنسان الذي لا يشعر بأنه كافٍ سيواصل البحث عن نفسه في العالم الرقمي، مما يؤدي إلى فقدان إنسانيته. بالإضافة إلى ذلك، سيظهر جيل لديه مشكلات صحية مبكرة مثل آلام الرقبة والظهر وضعف النظر والسمنة، رغم تطور الرعاية الصحية.

في النهاية، سينتج عن هذا إضعاف المجتمع، حيث ستجد المجتمعات التي ينشغل أفرادها بشاشاتهم صعوبة في بناء مشاريع مشتركة. كيف يمكن لأمة تعاني من تشتت الانتباه أن تخطط أو تنافس أو تبتكر؟ حين تتحول البشرية إلى مجموعات جسدية متقاربة ولكن متباعدة وجدانيًا، يصبح الإنجاز شيئًا من ذكريات الماضي.

لذا، نحتاج إلى التساؤل: هل يمكن تغيير هذا المسار؟ الإدمان الرقمي حقيقة، لكنه ليس قدرًا. المستقبل الذي نراه ليس حتميًا، بل هو احتمال قوي إذا لم ننتبه. قد تبدأ الحلول من سؤال بسيط: هل أملك هاتفي، أم يملكني؟ إذا كان المستقبل وراء الشاشات باهتًا إلى هذا الحد، فإن الخطوة الأولى لإنقاذ الإنسان هي أن يتذكر معنى كونه إنسانًا: كائنًا يفكر بعمق، يشعر بقوة، يحب بصدق، ويعيش في العالم.

تأتي هنا أهمية مبادرة “معًا يوم بلا شاشات”، التي أطلقتها الأستاذة الدكتورة منى الحديدي، أستاذ الإعلام وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والمجلس الأعلى للثقافة. تمثل هذه المبادرة رسالة تحذير وتنبيه للبشرية التي تقف عند مفترق الطرق بين الاستمرار والتطور، وبين الانهيار والضياع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى