
في الفترة الأخيرة تزايد الحديث عن هندسة الأوامر أو Prompt Engineering، والمقصود بها الأوامر والطلبات التي يطلبها المستخدمون من أنظمة الذكاء الاصطناعي. فإذا كان الطلب وأسلوبه وتقسيماته وألفاظه واضحة ومحددة، كلما كانت النتيجة الواردة من أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر دقة. فالألفاظ المبهمة أو العامة لن تعطي نتائج مرضية، وفرضية أن الذكاء الاصطناعي يعرف ما نريد دون الحاجة إلى إيضاح هي فرضية خاطئة إلى حد كبير. تشبه فرضية أن طبيب الأسنان سيعرف أي ضرس يؤلمني بمجرد أن أصافحه في العيادة، أو حتى بعد أن أفتح فمي لينظر بداخله.
الشيء اللطيف والملفت للنظر هو ازدياد الوعي بموضوع هندسة الأوامر في الآونة الأخيرة بدرجة عالية جدًا. فما من لقاء أو ندوة أو مقال أو كتاب يتناول موضوع الذكاء الاصطناعي إلا ونجد الجميع يشير إلى هذا الأمر وإلى أهميته، وإلى ضرورة أن يتعلم الجميع تلك المهارة، سواء من خلال الدورات المتخصصة أو من خلال المواد التعليمية الكثيرة المنتشرة على شبكة الإنترنت أو شراء كتب تحتوي على “أوامر” جاهزة تستخدم في المواقف المختلفة، وهو أسلوب يذكرني بالكتب التي كانت منتشرة على الأرصفة في وسط البلد منذ عقود تحمل صورة العندليب الأسمر المطرب الكبير عبد الحليم حافظ ومكتوب تحتها “100 رسالة حب”.
ولأن الأمر جد خطير وجد مهم، فإن بعض الخبراء يشيرون إلى ضرورة تضمين مادة “هندسة الأوامر” في المناهج التعليمية في المرحلة الجامعية وما قبلها أيضًا، وهو ما أراه مهمًا وضروريًا بالفعل، بالرغم من خطورة دخول الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم ومدى تأثيره على تكوين عقلية ومهارات ومعارف الطلبة. لكن لأن غض الطرف عنه سيشبه ما يقوم به النعام من دفن الرؤوس في الرمال، لذلك من الضروري إتقان تلك المهارة للتعامل مع ما “لابد منه”، وأقصد هنا الذكاء الاصطناعي دون أن أصفه بالخير أو بالشر.
ولأن هذه المهارة ما تزال في بداياتها ولا يوجد خبراء حقيقيون لها، نحاول هنا التعرف على أسلوب الكتابة ونحاول أن نوجد بدائل قد تكون مناسبة وقد تقدم نتائج مرضية إلى حد ما. هل تتذكر عزيزي القارئ مشهد النجم محمد سعد في فيلم “اللمبي” عندما دخل إلى مخزن أسفل منزله ووجد عربية الكبدة القديمة التي كان يديرها والده، الذي كانت صورته معلقة على أحد الحوائط يحيطها التراب والعنكبوت، ولكنه فجأة وفي لحظة عبثية يتحدث من العالم الآخر إلى ولده قائلاً:
– لمبى يا ابني… العربية دي هي اللي ربتك…
– ماتخافش يا با… ما تخافش يا با… حشغلها من جديد… واسْم اللمبي حيرجع يلعلع في مصر القديمة كلها.
– أوعى يا ابني تغش في البيع.
– حاضر يا با.
– سندوتش الكبدة بنص جنيه والسجق بـ75 قرش.
– حاضر يا با.
– حط بصل كتير وفلفل كتير وقطع شوية طماطم.
– حاضر يا با.
– ما تنساش النظافة، أهم حاجة.
– ما تيجي تبيع أنت يا با؟
ما فعله والد اللمبي بالضبط هو ما يجب أن تفعله عزيزي القارئ مع أنظمة الذكاء الاصطناعي. يجب أن توضح طلبك بالتفصيل، فتتحدث عن ما تريد بالتفصيل، وتذكر ما لا تريد بالتفصيل أيضًا. ومن المفضل أن تستخدم بعض المصطلحات العلمية المعقدة لكي يعرف الذكاء الاصطناعي مستواك العلمي أو المهني أو الفكري والعقلي والثقافي، فيقدم لك نتيجة متقدمة وليست بدائية أو بديهية. ويجب أن تقوم أيضًا بمراجعة ما يقدمه لك، وتعيد توجيهه لتحسين النتيجة لتقترب تمامًا مما كنت ترغب وتريد.
يمكن أيضًا أن تستخدم أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتنتج لك الأمر Prompt بصورة تفصيلية، ولا يكون عليك إلا أن تطلب الطلب بأسلوبك وطريقتك ولغتك البسيطة والمعقدة. لكن في جميع الأحوال يجب أن تكون تفصيلية مثل توجيهات والد اللمبي لكي تصل بنظام الذكاء الاصطناعي في النهاية إلى أن يرغب في أن يقول لك: “طب ما تعملها أنت يا باشا؟”



