كاتب ومقال

حين يدفع الطفل ثمن الطلاق: مأساة طفل الدقهلية

بقلم: وفاء حسن

ليس كل اعتداء على طفل يمكن اختزاله في عبارة “كانت تعاني مرضًا نفسيًا”، فبعض الجرائم تحتاج إلى مواجهة جذورها الأخلاقية والإنسانية قبل البحث عن مبررات لها. وفي كل مرة تقع فيها جريمة يكون أحد ضحاياها طفلًا على يد أحد والديه، تتجدد الأسئلة المؤلمة: كيف يمكن لأب أو أم أن يؤذي طفلًا خرج إلى الدنيا من رحم تلك العلاقة؟ وكيف يتحول الخلاف بين زوجين إلى غضب يدفع أحدهما إلى الانتقام من الطرف الآخر عبر أكثر الأبرياء ضعفًا؟ القضية التي شهدتها إحدى قرى محافظة الدقهلية، والتي راح ضحيتها طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره داخل منزل أسرته، تفتح من جديد ملفًا بالغ الخطورة حول ما يحدث عندما يتحول الأبناء إلى أدوات للانتقام بعد الطلاق. وبعيدًا عن تفاصيل القضية وأسماء أطرافها، فإن المأساة الأهم ليست فقط في الجريمة نفسها، وإنما في الفكرة التي تقف خلف بعض هذه الوقائع؛ أن يتحول الطفل من إنسان يحتاج إلى الحماية والرعاية إلى وسيلة لإيذاء الأب أو الأم.

الطلاق ينهي علاقة زوجية، لكنه لا يلغي الأبوة أو الأمومة. قد ينتهي الزواج بالخلاف، وقد تكون هناك أسباب قاسية دفعت أحد الطرفين إلى طلب الانفصال، وقد يكون بينهما تاريخ طويل من الألم والغضب، لكن الطفل لا ذنب له في كل ذلك. هو لم يختر أباه وأمه، ولم يختر الانفصال، ولم يكن طرفًا في الخلافات التي سبقت الطلاق، ومع ذلك نجد أطفالًا يدفعون ثمن ما لم يرتكبوه. طفل يُمنع من رؤية والده انتقامًا منه، وطفل يُستخدم لنقل رسائل الغضب بين الطرفين، وطفل يُحمَّل مسؤولية اختيار أحد الوالدين على حساب الآخر، وآخر يسمع عبارات تشوه صورة أبيه أو أمه حتى يصبح ممزقًا بين حبه الطبيعي لكليهما. وفي الحالات الأكثر قسوة، قد يتحول الانتقام من الطرف الآخر إلى إيذاء الطفل نفسه. وهنا يجب أن نتوقف طويلًا أمام سؤال مؤلم: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الطفل هو الهدف؟

الغضب بعد الانفصال مفهوم، لكن الانتقام ليس حقًا. قد يشعر أحد الطرفين بأنه تعرض للظلم أو الخيانة أو الإهانة أو الخذلان، وقد يحتاج إلى سنوات حتى يتجاوز آثار تجربة الزواج، لكن هناك فارق هائل بين أن تشعر بالغضب وبين أن تجعل إنسانًا بريئًا يدفع ثمن هذا الغضب. والأخطر حين يصبح التفكير قائمًا على منطق “سأؤذيه في أكثر شيء يحبه”. عند هذه النقطة لا يعود الطفل مجرد ضحية جانبية للخلاف، بل يصبح الهدف نفسه، وهذا النوع من التفكير يجب أن نواجهه بوضوح؛ لأنه لا يمثل خلافًا عائليًا عابرًا، وإنما انحرافًا خطيرًا في التعامل مع الطفل باعتباره امتدادًا للصراع بين الزوجين. فالخلاف بين الزوجين، مهما كان عنيفًا أو مؤلمًا، يجب ألا يتحول إلى مبرر للانتقام من طفل لم يختر شيئًا من هذه الحياة.

ومن أكثر الجمل التي تتردد بعد وقوع الجرائم الأسرية “أكيد كانت مريضة نفسيًا”، وكأن المرض النفسي أصبح تفسيرًا جاهزًا لكل سلوك إجرامي يصعب علينا فهمه. لكن الحقيقة أن الحكم على الحالة النفسية لأي شخص لا يمكن أن يتم من خلال واقعة واحدة أو من خلال ما يتناقله الناس، وإنما يحتاج إلى تقييم وتشخيص متخصص. كما أن المرض النفسي لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة نعلّق عليها كل جريمة، فالتشخيص النفسي ليس تبريرًا للجريمة، والجريمة في حد ذاتها ليست تشخيصًا طبيًا. هناك فرق بين شخص يعاني اضطرابًا نفسيًا مشخصًا يؤثر في إدراكه أو سلوكه، وبين شخص تحركه مشاعر الحقد والغضب والرغبة في الانتقام والسيطرة أو الرغبة في إيذاء الطرف الآخر. لذلك لا يصح أن نصف كل شخص يرتكب جريمة بأنه “مريض نفسي” من دون دليل طبي، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن ننظر إلى المرض النفسي باعتباره مرادفًا للعنف أو الجريمة، فالغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ليسوا عنيفين.

وفي بعض الحالات، قد تكون المشكلة في مشاعر وسلوكيات خطيرة سبقت الجريمة؛ حقد متراكم، ورغبة في الانتقام، ورفض تقبل انتهاء العلاقة، ومحاولة معاقبة الطرف الآخر بأي ثمن، والنظر إلى الطفل باعتباره وسيلة ضغط أو أداة للسيطرة. وتزداد خطورة الأمر عندما تصاحب هذه المشاعر تهديدات واضحة، أو عنف سابق، أو حديث متكرر عن الانتقام، أو محاولات لاستخدام الأطفال في الصراع بين الأب والأم. وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا: هل كنا ننتظر وقوع الجريمة حتى ننتبه؟ أم كانت هناك إشارات تحذيرية لم يأخذها أحد على محمل الجد؟ فبعض السلوكيات التي تبدو في البداية مجرد غضب بعد الطلاق قد تتحول إلى نمط من الانتقام والسيطرة، ولذلك فإن التعامل الجاد مع التهديدات والعنف ومحاولات ابتزاز الطرف الآخر بالأبناء يمكن أن يكون فارقًا بين مأساة يمكن منعها ومأساة لا يمكن إصلاحها.

ومن أكثر الأخطاء التي تُرتكب بعد الانفصال أن يتحول الطفل إلى ساحة لتصفية الحسابات. الأب يتحدث عن الأم أمام أبنائه بسوء، والأم تفعل الشيء نفسه مع الأب، وكل طرف يحاول أن يكسب الطفل إلى صفه، فيجد الطفل نفسه مطالبًا بأن يحب أحد والديه أكثر، أو أن يكره الآخر، أو أن يحمل رسائل الغضب بينهما. وفي النهاية، الطفل لا ينتصر، بل يخسر شعوره بالأمان ويعيش صراعًا نفسيًا لا يخصه، وقد يكبر وهو يحمل داخله غضبًا أو خوفًا أو شعورًا بالذنب. والأب والأم، مهما كانت خلافاتهما، يجب أن يتذكرا حقيقة بسيطة: الطفل ليس ملكًا لأي منهما، بل إنسان مستقل له حق في الأمان والحب والحماية، وله حق في أن يعيش طفولته بعيدًا عن صراعات الكبار، ما لم توجد أسباب قانونية أو واقعية تقتضي غير ذلك.

الطلاق لا يعطي أحدًا حق الانتقام. من حق الإنسان أن يغضب، ومن حقه أن يحزن، ومن حقه أن يرفض الظلم وأن يلجأ إلى القانون، ومن حقه أن يطلب الحماية أو الانفصال أو اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، لكن ليس من حقه أن يحول أطفاله إلى أدوات للعقاب. فالطلاق قد يكون نهاية الزواج، لكنه لا ينبغي أن يكون بداية حرب تُدفع تكلفتها من أعصاب الأطفال وأمنهم، أو في أبشع الصور من حياتهم. نحن بحاجة إلى تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى النزاعات الأسرية، فحين تكون هناك تهديدات أو عنف أو محاولات ابتزاز بالأبناء أو تصريحات واضحة عن الانتقام، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد “مشاكل بين زوجين”، لأن بعض الإشارات تستحق التدخل الجاد قبل فوات الأوان.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر في الطلاق؟ ولا من أخطأ أكثر؟ ولا من أخذ الأطفال؟ السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء هو: هل أطفالنا بخير؟ لأن الطفل الذي يُقتل انتقامًا من أبيه أو أمه لا يموت وحده؛ يموت معه جزء من معنى الأسرة، ومن الأمان، ومن الثقة التي يفترض أن يجدها داخل بيته. ومواجهة هذه الجرائم لا تبدأ فقط بعد وقوعها، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، بالتوعية، وبالدعم النفسي المتخصص عند الحاجة، وبرصد العنف والتهديدات، وعدم تجاهل إشارات الخطر، وتعليم الأبوين أن انتهاء العلاقة بينهما لا يعني انتهاء مسؤوليتهما تجاه أطفالهما. فالطلاق قد يفصل بين زوج وزوجة، لكنه لا يجب أن يحوّل الأبناء إلى سلاح، وأقسى ما يمكن أن يحدث لطفل أن يصبح ثمنًا لخلاف لم يكن يومًا طرفًا فيه.

حين يختلف الكبار، يجب أن يظل الطفل هو الطرف الذي نحميه، لا الطرف الذي ننتقم به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى