حواراتكلمتها

سرطان الثدي.. الدعم النفسي رحلة موازية للعلاج

وفاء حسن

لا تقتصر رحلة سرطان الثدي على العلاج والفحوصات الطبية، بل تمتد إلى رحلة نفسية تعيشها المرأة منذ لحظة التشخيص، بما تحمله من خوف وقلق وتساؤلات حول الجسد والأسرة والمستقبل. وبين الحاجة إلى الدعم النفسي والضغوط التي قد يفرضها المحيطون بها دون قصد، تصبح الرعاية النفسية جزءًا أساسيًا من رحلة العلاج والتعافي.

وفي هذا الحوار مع أ. هاجر محمد، الأخصائية النفسية بمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس، نناقش أبرز التحديات النفسية التي تواجه المرأة المصابة بسرطان الثدي، وكيفية التعامل معها، ودور الأسرة في تقديم الدعم الذي يساعدها على مواصلة رحلتها بوعي وطمأنينة، مع الحفاظ على كرامتها وإنسانيتها.

• دكتورة هاجر، لحظة إبلاغ المرأة بإصابتها بسرطان الثدي قد تكون من أصعب اللحظات في حياتها. ماذا يحدث نفسيًا للمرأة في هذه اللحظة، وكيف يمكنها استيعاب التشخيص والتعامل مع مشاعر الخوف والصدمة دون أن تستسلم لهما؟

«سمعت الدكتور بيقول الكلمة.. وبعدها مسمعتش ولا حرف». هكذا تصف كثير من السيدات لحظة التشخيص. ما يحدث في هذه اللحظة قد يُعرف باستجابة الصدمة الحادة؛ إذ يدخل العقل في حالة من الاستنفار، فتشعر المرأة بالخدر، أو كأنها تشاهد المشهد من الخارج، أو تعجز عن استيعاب بقية المعلومات التي يخبرها بها الطبيب بعد سماع كلمة التشخيص الأولى.

وهذا لا يعني ضعف الشخصية أو عدم القدرة على التماسك، بل قد يكون إحدى الطرق التي يحاول بها الجهاز النفسي استيعاب خبر شديد الوطأة. وغالبًا ما يرتبط الخوف في هذه اللحظة بالمجهول؛ الخوف من الموت، ومن العلاج وآثاره الجانبية، ومن التغيرات التي قد تطرأ على الجسد، فضلًا عن القلق على الأبناء والأسرة والمستقبل.

ومن المهم ألا تشعر المرأة بأنها مطالبة بفهم كل التفاصيل خلال الزيارة الطبية الأولى. يمكنها طلب موعد آخر لطرح أسئلتها، واصطحاب شخص تثق به لتدوين المعلومات التي يقدمها الطبيب.

كما ينبغي الفصل بين التشخيص والصورة المخيفة المرتبطة بكلمة السرطان في أذهان كثيرين؛ فقد تطورت وسائل التشخيص والعلاج، وتختلف فرص التعافي باختلاف نوع الورم ومرحلته وعوامل أخرى يحددها الفريق الطبي. لذلك، من الأفضل الاعتماد على المعلومات الطبية الموثوقة، بدلًا من البحث العشوائي على الإنترنت أو مقارنة حالتها بتجارب الآخرين.

كذلك، لا يحتاج الخوف إلى الإنكار بقدر ما يحتاج إلى مساحة آمنة؛ فمن المهم أن تعترف المرأة بمشاعرها وتعبّر عنها أمام شخص تثق به. والأفضل أن تركز على الخطوة التالية فقط، سواء كانت فحصًا أو تحليلًا أو موعدًا طبيًا، بدلًا من محاولة استيعاب الرحلة كاملة دفعة واحدة.

فالاستسلام لا يعني أن تبكي المرأة أو تخاف، وإنما أن تنسحب من اتخاذ القرارات الضرورية. أما أن تشعر بكل هذه المشاعر وتواصل خطواتها العلاجية، فهذا هو التماسك الحقيقي.

• تختلف ردود أفعال النساء بعد التشخيص؛ فهناك من تبكي، ومن تنكر المرض، ومن تبدو قوية أمام الجميع رغم انهيارها الداخلي. كيف نفهم هذه الاستجابات النفسية، ومتى تكون ردود الفعل طبيعية، ومتى تحتاج المرأة إلى تدخل متخصص؟

تختلف ردود الأفعال النفسية بعد تشخيص سرطان الثدي من امرأة إلى أخرى؛ فقد تبكي إحداهن، بينما تلجأ أخرى إلى الإنكار أو الغضب، وقد تشعر بعض السيدات بالخدر أو الذنب، ويتساءلن عما إذا كن قد ارتكبن خطأ تسبب في المرض. وهناك من تحاول الظهور بمظهر المرأة القوية أمام الجميع حتى لا تزيد من قلق أسرتها.

هذه الاستجابات قد تكون محاولات للتكيف مع حدث يفوق قدرة الإنسان على استيعابه في لحظة واحدة، ولا يوجد رد فعل واحد يمكن اعتباره صحيحًا للجميع. فالإنكار في البداية قد يمنح المرأة وقتًا للاستيعاب، كما أن إخفاء الخوف أمام الأسرة قد يكون محاولة لحماية من تحبهم، خاصة إذا كانت تخشى على صحة والدتها أو الحالة النفسية لأبنائها.

وتكون هذه الاستجابات أقرب إلى التكيف الطبيعي عندما تأتي المشاعر في موجات، تكون أشد في البداية ثم تهدأ تدريجيًا، مع احتفاظ المرأة بقدرتها على النوم ولو جزئيًا، واتخاذ القرارات، وأداء المهام الأساسية.

لكن الأمر يحتاج إلى تدخل متخصص عندما تستمر الاستجابات بصورة تعطل الحياة اليومية أو تؤثر في الالتزام بالعلاج. فعلى سبيل المثال، يصبح الإنكار مصدر قلق إذا دفع المرأة إلى تأجيل العلاج أو رفضه، كما تستدعي الحالة تقييمًا نفسيًا إذا استمر الانهيار النفسي لأسابيع وأصبحت المرأة غير قادرة على أداء مهامها الأساسية.

ومن العلامات التي تستحق الانتباه الشعور المستمر باليأس، أو الاعتقاد بأن المرأة أصبحت عبئًا على من حولها، أو الانسحاب الشديد من الآخرين، أو تكرار نوبات الهلع والأرق. كذلك، فإن اللجوء إلى المهدئات دون وصفة طبية لا ينبغي اعتباره وسيلة آمنة للتعامل مع الضيق النفسي.

أما ظهور أفكار عن الموت أو إيذاء النفس، فيتطلب طلب المساعدة المتخصصة بصورة عاجلة، دون انتظار تحسن الحالة من تلقاء نفسها.

ولا ترتبط الحاجة إلى الدعم النفسي دائمًا بوجود اضطراب نفسي أو الوصول إلى مرحلة الانهيار؛ فقد تحتاج المرأة ببساطة إلى مساحة آمنة تستطيع فيها التعبير عن مشاعرها الحقيقية، بعيدًا عن محاولات طمأنتها المستمرة أو مطالبتها بأن تبدو قوية أمام الآخرين.

• يرتبط الثدي لدى كثير من النساء بمشاعر الأنوثة والجاذبية وصورة الجسد، وقد تؤثر الجراحة أو تساقط الشعر وتغيرات العلاج في نظرة المرأة إلى نفسها. كيف يمكن مساعدتها على تقبل التغيرات الجسدية والحفاظ على تقديرها لذاتها خلال رحلة العلاج؟

صورة الجسد لا تتعلق بالمظهر الخارجي فقط، بل بعلاقة المرأة بجسدها وإحساسها بهويتها وأنوثتها، ومدى شعورها بالراحة والأمان تجاه نفسها. لذلك، فإن الحزن على فقدان الثدي أو الشعر أو ظهور الندوب بعد الجراحة ليس أمرًا سطحيًا، بل قد يرتبط بشعور حقيقي بالفقد والتغير في الصورة التي اعتادت المرأة أن ترى نفسها من خلالها.

وقد تعبّر بعض السيدات عن ذلك بقولهن: «أنا مش زعلانة على الشعر.. أنا زعلانة إني مش شايفة نفسي في المراية». وهنا، لا يكون المطلوب مطالبة المرأة بتجاوز مشاعرها سريعًا أو إقناعها بأن صحتها أهم من مظهرها؛ فالجملة التي تبدو مطمئنة قد تجعلها تشعر بأن حزنها غير مفهوم أو غير مقبول.

الخطوة الأولى لمساعدتها هي منحها الحق في الحزن والتعبير عن مشاعرها دون التقليل منها. وبعد ذلك، يمكن تشجيعها على التعامل تدريجيًا مع التغيرات التي طرأت على جسدها، وفقًا لاستعدادها النفسي، سواء بالنظر إلى المرآة أو التعامل مع آثار الجراحة، دون إجبارها على مواجهة ما لا تزال غير مستعدة له.

كما أن منح المرأة حق الاختيار يساعدها على استعادة إحساسها بالسيطرة؛ فبعض السيدات يفضلن قص شعرهن قبل تساقطه، بينما تختار أخريات استخدام الباروكة أو غطاء الرأس أو أي بديل يناسبهن. ولا ينبغي التعامل مع هذه الاختيارات باعتبارها محاولة لإخفاء المرض، بل بوصفها قرارات شخصية تستحق الاحترام.

وتساعد المعرفة بالخيارات الطبية المتاحة، مثل ترميم الثدي أو استخدام البدائل الخارجية والملابس المخصصة، على تقليل الشعور بالعجز، من خلال مناقشة هذه الخيارات مع الفريق الطبي.

ومن المهم أيضًا مساعدة المرأة على إدراك أن قيمتها الإنسانية لا تختزل في شكل جسدها؛ فهي ما زالت تحمل صفاتها وذكرياتها وقدراتها وعلاقاتها وأدوارها وقيمها التي لا يمحوها المرض. ولا يعني ذلك إنكار أثر التغيرات الجسدية، وإنما توسيع نظرتها إلى ذاتها بحيث لا تصبح هذه التغيرات هي الصورة الوحيدة التي تراها في المرآة.

أما العلاقة الزوجية، فقد تتأثر بالتغيرات الجسدية وبالشعور بالقلق أو فقدان الثقة بالنفس. وهنا، يساعد الحوار الصريح بين الزوجين على التعبير عن الاحتياجات والمخاوف، ويمكن الاستعانة بالإرشاد النفسي أو الزوجي عندما يصبح التواصل صعبًا.

وأخيرًا، من المهم تشجيع المرأة على التعاطف مع ذاتها، وأن تتعامل مع نفسها بالرفق نفسه الذي تمنحه لصديقة تمر بالتجربة ذاتها، بدلًا من محاسبة نفسها بقسوة أو مطالبتها بالتقبل قبل أن تكون مستعدة له.

• نسمع كثيرًا عبارات مثل: «لازم تكوني قوية»، و«متعيطيش علشان المرض ما يزيدش»، و«فكري بإيجابية وهتخفّي». هل يمكن أن تتحول هذه العبارات، رغم حسن النية، إلى عبء نفسي على المريضة؟ وما البديل الذي ينبغي أن تقوله الأسرة لها؟

نعم، قد تتحول هذه العبارات، رغم أنها تُقال بدافع الحب والتشجيع، إلى عبء نفسي إضافي على المرأة. فعندما يقال لها «لازم تكوني قوية»، قد تفهم أن التعب غير مسموح لها، وعندما تسمع «متعيطيش علشان المرض ما يزيدش»، فقد تشعر بأن مشاعرها خطر عليها وأنها مسؤولة عن مسار مرضها.

كذلك، فإن مطالبتها بالتفكير الإيجابي طوال الوقت قد تجعلها تشعر بالذنب إذا تدهورت حالتها أو لم تتحسن بالسرعة التي تتمناها. والحقيقة أنه لا يوجد دليل علمي على أن البكاء أو الحزن يزيدان المرض، كما أن التفكير الإيجابي وحده لا يشفي منه. وقد يستهلك كبت المشاعر طاقة تحتاج إليها المرأة، ويضيف إلى خوفها شعورًا بالذنب.

وهذا ما يُعرف بالإيجابية السامة؛ أي مطالبة الإنسان بإظهار التفاؤل والابتسام قبل منحه فرصة للتعبير عن ألمه. وبدلًا من أن يجد مساحة للاحتواء، يصبح مطالبًا بإخفاء مشاعره حتى لا يزعج الآخرين أو يبدو ضعيفًا أمامهم.

والبديل هو تقديم عبارات تمنحها الحق في التعبير عن مشاعرها، مثل: «من حقك تزعلي.. وأنا هنا»، أو «مش لازم تكوني قوية قدامي»، أو «تحبي نتكلم، ولا أقعد جنبك وبس؟». ويمكن أيضًا سؤالها عما قد يخفف عنها في ذلك اليوم، بدلًا من افتراض ما تحتاج إليه أو تقديم النصائح دون أن تطلبها.

ولا يُطلب من أفراد الأسرة إخفاء مخاوفهم تمامًا، بل التعبير عنها بطريقة لا تلقي على المريضة مسؤولية تهدئتهم. فقول أحد أفراد الأسرة «أنا خايف كمان، بس هنواجه المرحلة دي مع بعض» قد يكون أكثر صدقًا وطمأنينة من التظاهر بأن كل شيء سهل أو مضمون.

والقاعدة الأساسية هي الاستماع قبل تقديم النصيحة، والسؤال بدلًا من إصدار الأوامر. فالأمل الحقيقي لا يُفرض على المرأة، وإنما ينمو عندما تشعر بأنها مسموعة ومفهومة، وأنها ليست مضطرة إلى مواجهة المرض ومشاعرها وحدها.

• كيف تتعامل الأسرة مع مريضة سرطان الثدي بطريقة تساعدها نفسيًا؟ وما الفرق بين الدعم الحقيقي وبين المبالغة في الشفقة أو معاملتها باعتبارها عاجزة عن ممارسة حياتها واتخاذ قراراتها؟

يكمن الفرق بين الدعم الحقيقي والشفقة الزائدة في أثر كل منهما على المرأة؛ فالدعم يمنحها مساحة أكبر للاختيار والمشاركة في حياتها، بينما قد تجعلها الشفقة تشعر بالعجز وتفقدها الإحساس بقدرتها على القيام بأدوارها المعتادة.

فعندما تمنع الأسرة المريضة من دخول المطبخ أو العمل أو الخروج، وتتولى اتخاذ جميع القرارات نيابة عنها، قد يكون الدافع هو الخوف عليها، لكن الرسالة التي تصل إليها أحيانًا هي أنها لم تعد قادرة على إدارة حياتها. ومع فقدان الأدوار اليومية، قد يزداد شعورها بالعجز، وهو ما قد يؤثر سلبًا في حالتها النفسية.

يبدأ الدعم الحقيقي بالسؤال بدلًا من الافتراض، مثل: «محتاجة مساعدة في إيه؟». كما أن تقديم مساعدة محددة، كتوصيلها إلى جلسة العلاج، أو إعداد وجبات لأيام العلاج، أو مساعدة الأبناء في المذاكرة، قد يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بعبارة «لو عايزة حاجة قوليلي»، التي تضع عليها عبء طلب المساعدة.

ومن المهم أن يظل القرار قرارها، سواء فيما يتعلق بعلاجها، أو بمن يعرف بمرضها، أو بتنظيم الزيارات والمواعيد بما يتناسب مع احتياجاتها. وينبغي أن تظل قادرة على ممارسة أدوارها المعتادة بالقدر الذي تسمح به حالتها الصحية؛ ففي الأيام التي تشعر فيها بتحسن يمكنها ممارسة أنشطتها، وفي الأيام الصعبة ينبغي أن تحصل على الراحة دون الشعور بالذنب.

كما أن الحياة لا يجب أن تتحول إلى حديث مستمر عن المرض؛ فالمرأة تحتاج إلى لحظات طبيعية تتحدث فيها عن اهتماماتها وأخبارها اليومية، وتضحك مع من تحب، وتشعر بأنها ما زالت جزءًا من الحياة، وليست مجرد مريضة يتجمع الجميع حولها للاطمئنان على حالتها.

ومن الضروري أيضًا احترام خصوصيتها، وعدم تداول أخبار مرضها أو تفاصيل علاجها دون موافقتها.

ولا ينبغي إغفال احتياجات الأشخاص الذين يقدمون الرعاية لها؛ فالزوج أو الابنة أو الأم قد يحتاجون هم أيضًا إلى الراحة والدعم النفسي. فمساندة المريضة لا تعني استنزاف المحيطين بها، وإنما بناء شبكة دعم متوازنة تحفظ كرامتها وتراعي احتياجات الجميع.

• بعض المريضات يخفن من إخبار أبنائهن أو أزواجهن بحقيقة المرض، بينما تخشى أخريات أن يصبحن عبئًا على أسرهن. كيف يمكن التعامل مع هذه المخاوف، وما الطريقة المناسبة للحديث مع الأطفال عن مرض الأم بما يتناسب مع أعمارهم؟

قد يبدو إخفاء التشخيص عن الأسرة، وخاصة الأطفال، وسيلة لحمايتهم من القلق، لكنه لا ينجح دائمًا؛ فالأطفال يلاحظون التغيرات في الحالة النفسية للوالدين، والغياب المتكرر عن المنزل، والمواعيد الطبية، والتغيرات الجسدية. وعندما لا يجدون تفسيرًا واضحًا لما يحدث، قد يضعون تصورات أكثر إخافة من الحقيقة. وإذا عرفوا بالمرض من شخص آخر، دون أن يحصلوا على تفسير مناسب، فقد يتأثر إحساسهم بالأمان والثقة.

أما خوف المرأة من أن تصبح عبئًا على أسرتها، فلا ينبغي أن يحرمها من طلب المساعدة. فالعلاقات الأسرية ليست حسابًا متكافئًا للأخذ والعطاء في كل مرحلة؛ إذ تمر الأسرة بظروف تتطلب أن يقدم بعض أفرادها دعمًا أكبر في أوقات معينة. وعندما تمنح المرأة أفراد أسرتها مهامًا واضحة ومحددة، فإنها تتيح لهم المشاركة بصورة عملية بدلًا من الوقوف عاجزين أمام معاناتها.

وفي العلاقة مع الزوج، يساعد الحوار الصريح على توضيح المخاوف والاحتياجات، ويمكن أن تكون مشاركته في أحد المواعيد الطبية فرصة لفهم طبيعة العلاج وما قد يترتب عليه من تغيرات، بدلًا من الاعتماد على التخمين أو المعلومات غير الدقيقة.

أما عند الحديث مع الأطفال، فمن المهم أن تصل إليهم رسائل أساسية، مهما اختلفت أعمارهم: أن المرض ليس بسببهم، وأن سرطان الثدي ليس مرضًا معديًا، وأن هناك أشخاصًا سيتولون رعايتهم ورعاية الأم خلال فترة العلاج. ومن المهم أيضًا تهيئتهم للتغيرات المتوقعة، مثل تساقط الشعر، بطريقة تناسب أعمارهم، دون تقديم وعود لا يمكن ضمانها.

وقد تكون عبارة «مش عارفة، بس هقولك لما أعرف» أكثر طمأنينة وصدقًا من إعطاء إجابة غير مؤكدة.

ويحتاج الأطفال دون السادسة إلى جمل قصيرة وبسيطة، مع التركيز على الروتين اليومي ومن سيتولى رعايتهم. وقد يظهر عليهم تعلق زائد بالأم أو عودة إلى سلوكيات أصغر من أعمارهم.

أما الأطفال من السادسة إلى الثانية عشرة، فيمكن تقديم معلومات أكثر وضوحًا عن المرض والعلاج، باستخدام كلمات يفهمونها، مع تصحيح أي اعتقاد لديهم بأنهم تسببوا في مرض الأم. وقد يكون من المفيد، وفقًا لظروف الأسرة ومصلحة الطفل، إبلاغ المدرسة بما يساعدها على تقديم الدعم المناسب.

وبالنسبة إلى المراهقين، فهم يحتاجون غالبًا إلى معلومات أكثر تفصيلًا، وإلى المشاركة في فهم ما يحدث، مع احترام مشاعرهم وحقهم في الاستمرار في حياتهم وعلاقاتهم بأصدقائهم. لكن من الضروري ألا يتحول المراهق إلى مقدم الرعاية الأساسي أو إلى الشخص الذي تتحمل الأم أمامه مسؤولية إخفاء جميع مخاوفها؛ فهو يحتاج بدوره إلى الدعم والاحتواء.

• قد تشعر بعض النساء بالوحدة حتى وسط أسرهن، أو يتجنبن لقاء الآخرين خوفًا من نظرات الشفقة أو التعليقات على مظهرهن. كيف يؤثر العزل الاجتماعي في الحالة النفسية للمريضة، وما الخطوات التي تساعدها على استعادة التواصل مع المحيطين بها؟

الوحدة في هذه الحالة لا تعني غياب الآخرين، وإنما غياب المساحة التي تستطيع المرأة فيها التعبير عن مشاعرها الحقيقية. فقد تحاول الأسرة رفع معنوياتها باستمرار، فلا تجد فرصة للحديث عن مخاوفها كما تشعر بها فعلًا، وتصبح مطالبة بإظهار التفاؤل حتى لا تقلق من حولها.

وقد يؤدي تجنب الآخرين خوفًا من نظرات الشفقة أو التعليقات على المظهر إلى شعور مؤقت بالراحة، لكنه قد يزيد على المدى الطويل من الاجترار والحزن والإحساس بالتعب. فالدعم الاجتماعي من العوامل المهمة التي تساعد المرأة على التكيف النفسي والاستمرار في العلاج.

ومن الأفضل أن تختار المرأة أشخاصًا تشعر معهم بالأمان، لا أن تحيط نفسها بعدد كبير من الأشخاص؛ فاثنان أو ثلاثة قد يكونون كافيين. كما يمكنها الاستعداد للرد على الأسئلة التي لا ترغب في الإجابة عنها، بعبارات مهذبة تحافظ على خصوصيتها، مثل: «شكرًا لسؤالك، أنا ماشية في العلاج والحمد لله. تحبي نتكلم في حاجة تانية؟».

ويمكنها أيضًا اختيار شخص واحد تثق به ليتولى إبلاغ الدائرة الأوسع بالتطورات التي ترغب في مشاركتها، بدلًا من اضطرارها إلى تكرار تفاصيل تجربتها في كل مرة.

ولا يشترط أن يكون التواصل طويلًا أو مرهقًا؛ فقد تكون مكالمة قصيرة، أو تمشية، أو زيارة لمدة نصف ساعة في يوم جيد كافية. المهم أن تختار المرأة ما يتناسب مع طاقتها، دون أن تشعر بأنها مطالبة بالعودة إلى حياتها الاجتماعية كاملة دفعة واحدة.

كذلك، يمكن لمجموعات الدعم النفسي التي تضم سيدات مررن بتجارب مشابهة أن توفر مساحة للتفاهم وتبادل الخبرات، مع ضرورة اختيار مجموعات موثوقة والابتعاد عن المحتوى الذي يروّج للمعلومات الطبية الخاطئة أو يثير الخوف من خلال سرد تجارب الآخرين بصورة غير مسؤولة.

ومن المهم أيضًا أن تخبر المرأة أسرتها بوضوح بما يساعدها، فكثير من الأشخاص يبتعدون أحيانًا لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون أو كيف يقدمون الدعم المناسب.

• خلال رحلة العلاج، قد تتعرض المريضة لتقلبات نفسية بين الأمل والخوف، خاصة قبل جلسات العلاج أو انتظار نتائج الفحوصات. ما الأدوات النفسية التي يمكن أن تساعدها على التعامل مع القلق، وكيف يمكنها الحفاظ على توازنها النفسي دون مطالبتها بأن تكون إيجابية طوال الوقت؟

يُعد التأرجح بين الأمل والخوف جزءًا مفهومًا من رحلة العلاج، خاصة في الفترات التي تسبق الفحوصات أو تتزامن مع انتظار النتائج. وقد يستمر القلق المرتبط بالفحوصات والنتائج حتى لدى بعض المتعافيات بعد انتهاء العلاج. لذلك، لا ينبغي اعتبار الشعور بالخوف دليلًا على ضعف المرأة أو عجزها عن التكيف.

والهدف ليس التخلص من القلق تمامًا، وإنما مساعدتها على التعامل معه بطريقة لا تسمح له بالسيطرة على يومها أو تعطيل حياتها وعلاجها. ويمكن الاستعانة بعدد من الأساليب البسيطة التي تساعد على تهدئة التوتر، مع التأكيد على أنها أدوات مساندة وليست بديلًا عن التقييم النفسي المتخصص عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة.

ومن هذه الأساليب التنفس الهادئ، من خلال أخذ شهيق لمدة أربع ثوانٍ، ثم إخراج الزفير لمدة ست ثوانٍ، والاستمرار لبضع دقائق وفقًا لقدرة المرأة وراحتها، دون إجبار نفسها على إيقاع تنفس يسبب لها الضيق.

كما يمكن استخدام تمرين التثبيت في اللحظة، المعروف بتمرين «٥-٤-٣-٢-١»، خاصة في غرفة الانتظار؛ إذ تركز المرأة على خمسة أشياء تراها، وأربعة أشياء تستطيع لمسها، وثلاثة أصوات تسمعها، ورائحتين تلاحظهما، وشيء تتذوقه. ويساعد هذا التمرين على إعادة الانتباه إلى البيئة المحيطة بدلًا من الاستغراق في الأفكار المخيفة.

ويمكن تخصيص وقت يومي قصير لكتابة المخاوف، بدلًا من تركها تتكرر طوال اليوم. كما يفيد التمييز بين الحقيقة والتوقع؛ فعبارة «النتيجة لسه مطلعتش» تصف واقعًا قائمًا، بينما عبارة «أكيد النتيجة وحشة» تعبر عن توقع لم يتأكد بعد.

ومن المهم أيضًا الاستعداد للمواعيد العلاجية، من خلال اصطحاب شخص موثوق عند الحاجة، وإعداد قائمة بالأسئلة، وتجهيز الأشياء التي تمنح المرأة الراحة خلال يوم العلاج، والتخطيط لنشاط بسيط تحبه بعده إذا سمحت حالتها الصحية.

ويُنصح بتقليل البحث العشوائي على الإنترنت، وتجنب مقارنة الحالة بتجارب الآخرين؛ فاختلاف أنواع الأورام ومراحلها والاستجابات للعلاج يجعل المقارنة غير الدقيقة مصدرًا إضافيًا للقلق. والأفضل توجيه الأسئلة الطبية إلى الفريق المعالج.

ومن المهم كذلك السماح للمشاعر بالوجود بدلًا من محاربتها، فقد تقول المرأة لنفسها: «أنا ملاحظة إني خايفة.. وده مفهوم»، دون أن تفسر الخوف باعتباره علامة على حدوث شيء سيئ. ويمكنها الحفاظ على أنشطة يومية بسيطة تمنحها شعورًا بالمعنى والاتصال بالحياة، مثل التواصل مع صديقة أو الصلاة أو المشي الخفيف إذا سمح الطبيب بذلك.

فالتوازن النفسي لا يعني التفاؤل طوال الوقت، وإنما القدرة على مواصلة الحياة مع وجود مشاعر مختلفة. ومن الطبيعي أن تشعر المرأة بالخوف والأمل في اليوم نفسه، ولا يتعارض أحدهما مع الآخر.

• كيف نميز بين الحزن والخوف المتوقعين بعد تشخيص السرطان، وبين الأعراض التي قد تشير إلى اكتئاب أو قلق شديد يستدعيان تدخلًا نفسيًا متخصصًا؟ ومتى يُفضّل بدء الدعم النفسي: منذ لحظة التشخيص أم عند ظهور صعوبات خلال العلاج؟

قد يكون الحزن والخوف جزءًا مفهومًا من الاستجابة لتشخيص سرطان الثدي، خاصة عندما يرتبطان بأحداث محددة، مثل انتظار نتيجة فحص أو الاستعداد للجراحة أو بدء جلسات العلاج. وقد تأتي هذه المشاعر في موجات، تتخللها لحظات من الراحة أو الضحك أو الاستمتاع ببعض الأنشطة، مع قدرة المرأة على أداء بعض مهامها والتواصل مع من تحب.

لكن من المهم الانتباه إلى استمرار الأعراض وشدتها وتأثيرها في الحياة اليومية. فإذا استمر الحزن أو فقدان الاهتمام والمتعة معظم اليوم، وفي أغلب الأيام لأكثر من أسبوعين، أو صاحبه شعور متواصل باليأس أو الذنب أو انعدام القيمة، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستدعي تقييمًا نفسيًا متخصصًا.

وتشمل العلامات التي تستحق الاهتمام أيضًا الانسحاب الشديد من الآخرين، والقلق أو نوبات الهلع التي تمنع المرأة من حضور الفحوصات أو جلسات العلاج، أو الشعور المستمر بأنها عبء على أسرتها. أما الأفكار المتعلقة بإيذاء النفس أو تمني الموت أو عدم الاستيقاظ، فتستوجب طلب المساعدة العاجلة دون انتظار مرور أسبوعين.

ومن المهم أن التمييز بين الأعراض النفسية والآثار الجسدية للعلاج يحتاج إلى تقييم متكامل؛ فالتعب واضطرابات النوم وتغير الشهية قد ترتبط بالمرض أو العلاج نفسه، ولذلك لا ينبغي تفسيرها تلقائيًا باعتبارها اكتئابًا. ويعتمد التقييم على مجموعة الأعراض ومدتها وتأثيرها في المزاج والاهتمام والحياة اليومية، بالتعاون بين المتخصص النفسي والطبيب المعالج.

أما عن توقيت بدء الدعم النفسي، فالأفضل إتاحته منذ لحظة التشخيص، مع متابعة الاحتياجات النفسية خلال مراحل العلاج المختلفة. فالتدخل المبكر يساعد المرأة على فهم مشاعرها، والمشاركة في القرارات الطبية، والتواصل مع أسرتها، والاستعداد للتغيرات المحتملة في الجسد والحياة اليومية.

ولا يعني طلب الدعم النفسي أن المرأة ضعيفة أو أنها غير قادرة على المواجهة، بل هو جزء من الرعاية المتكاملة التي تستجيب لاحتياجاتها النفسية مثلما تستجيب لاحتياجاتها الجسدية.

كما أن الدعم لا يشترط دائمًا جلسات علاج نفسي أسبوعية طوال الرحلة؛ إذ تختلف الاحتياجات من حالة إلى أخرى. فقد تحتاج بعض النساء إلى متابعة منتظمة، بينما تستفيد أخريات من الدعم في محطات محددة، مثل لحظة التشخيص أو ما قبل الجراحة أو بداية العلاج الكيماوي أو بعد انتهاء العلاج.

وتلفت هذه المرحلة إلى أن نهاية العلاج قد تحمل تحديات نفسية غير متوقعة؛ فبينما ينتظر المحيطون بالمرأة أن تشعر بالفرح والراحة، قد تواجه هي خوفًا من عودة المرض أو صعوبة في التكيف مع الحياة بعد انتهاء المواعيد الطبية المتكررة. لذلك، تظل متابعة الحالة النفسية مهمة حتى بعد انتهاء العلاج، وفقًا لاحتياجات كل امرأة.

• في شهر أكتوبر الوردي، ما الرسالة التي توجهينها إلى كل امرأة تخوض رحلة العلاج، وإلى كل أسرة تقف بجوار مريضة، حتى نفهم أن مساندتها لا تعني فقط مساعدتها على مقاومة المرض، بل أيضًا الحفاظ على كرامتها وإنسانيتها وحقها في التعبير عن مشاعرها؟

إلى كل امرأة تخوض رحلة العلاج: أنتِ لستِ مرضًا، بل إنسانة كاملة تمر بمرض. دموعك ليست خيانة لمقاومتك، وخوفك ليس قلة إيمان. من حقك أن تتعبي، وأن تقولي «لأ» لزيارة لا تريدينها، وأن تطلبي المساعدة دون أن تعتذري. فالتعافي لا يقتصر على الجسد وحده، بل يشمل أيضًا رعاية القلب والنفس والاهتمام بالمشاعر.

وإلى كل أسرة تقف بجوار مريضة، فإن المساندة لا تقتصر على توفير العلاج وترتيب المواعيد وإجراء الفحوصات، بل تشمل سؤال المرأة قبل اتخاذ القرارات نيابة عنها، والاستماع إليها قبل تقديم النصائح، واحتواء دموعها دون خوف أو انزعاج. انظروا إليها هي، لا إلى مرضها؛ فبهذا نحافظ على كرامتها وإنسانيتها وحقها في أن تكون كما هي في كل يوم من الرحلة.

وإلى كل امرأة تقرأ الآن، فإن الاهتمام بصحة الثدي، ومعرفة التغيرات التي تستدعي استشارة الطبيب، والالتزام بوسائل الفحص والمتابعة المناسبة لعمرها وعوامل الخطورة لديها، أمور لا ينبغي إهمالها. فالاكتشاف المبكر قد يحسن فرص العلاج والنتائج الصحية.

فاللون الوردي ليس مجرد رمز للتوعية، بل تذكير بأن وراء كل تشخيص امرأة لها حكاية ومشاعر ومخاوف وأحلام، ومن حقها أن تُسمع، وأن تجد الرعاية والدعم والاحتواء في رحلتها. وكما يحتاج الجسد إلى من يعتني به، تحتاج النفس أيضًا إلى من يسمعها ويفهمها ويسير إلى جوارها، دون أن يفرض عليها كيف ينبغي أن تشعر أو كيف يجب أن تبدو قوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى