كاتب ومقال

وهم الشعور الذي لم يُولَد يومًا

بقلم: د. محمود علام

وكأنه شعور من طرفٍ واحد، ذلك الإحساس الصامت الذي لا يُقال، ولا يُطلب، ولا يُبادَل. يبدأ بخيط رفيع من إعجاب عابر أو حاجة دفينة للاحتواء، وحين يكبر في خفاء العتمة، يُنهك الروح، ويشوّش الإدراك، ويخلق حكاية لا وجود لها إلا في مخيلة أحدهم.

الشعور من طرف واحد ليس جُرمًا، لكن خطورته الحقيقية تكمن في أنه “وهْمٌ مُقنّع” يرتدي ثوب العاطفة النقية. حين يغيب الوضوح، يتدخل العقل لملء الفراغ بحيلة دفاعية واعية أو لاواعية؛ فيبدأ في تفسير الصمت المطبق، يمنح كل نظرة عابرة معنى، وكل عبارة اعتيادية نية مبطنة، وكل غياب انتظارًا مستترًا. هناك، تُنسَج قصة كاملة التفاصيل من اللاشيء، ويُصبح الطرف الآخر – بغير وعي ولا إرادة منه – بطلًا رئيسيًا في رواية لم يكتبها، وربما لا يعرف حتى أنه أحد شخوصها!

👩‍🦰 هي..

تشعر، تتعلق، وتفرط في تشريح التفاصيل. تلتقط الإشارات العابرة وتبني عليها سيناريوهات معقدة لم تكن مقصودة من الأساس، وتنتظر بصدق عارم شيئًا لم يُوعد ولم يُتفق عليه. وفي صمتها الطويل، ترهق قلبها بمحاولات الفهم المستميت، وتُحمِّله من أحمال الانتظار ما لا يطيق.

👨 أما هو..

فقد يقع في المتاهة ذاتها؛ يتوهم الاهتمام حيث لا اهتمام، ويفسر المجاملة العابرة حبًا، واللطف المهني رغبةً خاصة. يغرق في تأويلاتٍ صنعها خياله الواسع ليهرب من مواجهة فراغه الداخلي أو شعوره الخفي بالوحدة. وفي الحالتين، وإن اختلفت الدوافع، يكون الألم واحدًا والنزيف النفسي صامتًا.

من يشعر دون مقابل يُستنزف ببطء، ومن لا يشعر يجد نفسه فجأةً في موضع لومٍ أو حرج، وكأنه متورط في عقدة نفسية أو علاقة لم يخترها، ولم يعلم بوجودها أصلًا.

ليست كل مشاعرنا تخص الطرف الآخر.. غالبًا ما تخصنا وحدنا.

فحين تفتقر العاطفة إلى التأكيد الواضح والتبادل الحقيقي، تتحول سريعًا من إحساس عفوي إلى “خيالٍ موازي”. وحين يُغذّى هذا الخيال باحتياجاتنا المؤجلة أو جروحنا القديمة، يتحول إلى وهم كامل التفاصيل؛ فنحن لا نحب الشخص الواقف أمامنا، بل نحب “الصورة” التي رسمناها له في أذهاننا، والتي تلبّي احتياجنا العاطفي في تلك اللحظة.

قبل أن تُصدّق كل ما يمليه عليك قلبك، وتستسلم لسطوة شعور لم يمنحه الواقع صكَّ اعتراف، قف قليلاً مع ذاتك واسأل بجرأة:

هل هذا واقع أعيشه بمشاركة طرفٍ حقيقي؟ أم أنها مرآة انعكس عليها احتياجي الدفين للطمأنة؟

فالصدق القاسي مع الذات هو طوق النجاة الوحيد من خيبةٍ كبرى. وفي النهاية.. ليست كل القلوب التي تنبض قادرة على الحب الحقيقي، ولا كل من يترك أثرًا عابرًا فينا كان يقصد تعليقنا به.

فبعض الحكايات أطهر من أن تُدنس بواقع باهت، وتظل أعمق… حين لا تبدأ أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى