كاتب ومقال

ولا في الخيال| عن سعد الله ونوس

في قلب دمشق القديمة، حيث تتشابك حكايات الماضي مع نبض الحاضر، وُلد سعد الله. لم تكن طفولته مجرد لهو بريء، بل كانت نافذة مبكرة على تناقضات الحياة، على الفرح المختلط بالحزن، والعدل المشوب بالظلم. كان يستمع بشغف إلى حكايات الحكواتي في المقاهي الشعبية، يراقب تفاعلات الناس في الأسواق الصاخبة، تختزن ذاكرته صورًا ومشاهد ستغدو فيما بعد وقودًا لمسرحه.
كبر سعد الله والشغف بالكلمة والقصة يكبر معه. لم تكن الكتابة بالنسبة له مجرد هواية، بل كانت حاجة ملحة للتعبير عن أسئلته الوجودية، عن غضبه تجاه الواقع، وعن حلمه بعالم أفضل. انجذب إلى خشبة المسرح، هذا الفضاء السحري الذي يتحول فيه النص المكتوب إلى حياة نابضة، حيث تتجسد الأفكار وتتفاعل مع الجمهور بشكل مباشر.
في ستينيات القرن الماضي، بزغت موهبة سعد الله ونوس كصوت مسرحي مختلف. لم يكن مسرحه مجرد ترفيه أو حكاية مسلية، بل كان دعوة للتفكير، استفزازًا للجمود، ومحاولة جادة لفهم الذات والمجتمع. مسرحياته الأولى مثل “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” كانت صرخة مدوية في وجه الهزيمة، محاولة لتفكيك أسبابها ومواجهة الذات العربية بعيوبها.
لم يكن سعد الله يخاف من طرح الأسئلة الصعبة، من نبش الجراح، من مواجهة السلطة والمجتمع بحقائقهما المرة. كان يؤمن بأن دور المسرح هو أن يكون مرآة تعكس الواقع بكل تجلياته، حتى القبيحة منها، وأن يدفع الجمهور إلى التفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في تغيير واقعه.
في مسرحياته اللاحقة مثل “الملك هو الملك” و “مغامرة رأس المملوك جابر”، استخدم الرمز والتاريخ لإسقاطهما على الحاضر، ليكشف عن آليات القمع والاستبداد وتأثيرها على الإنسان. كانت لغته المسرحية تجمع بين الفصاحة والبساطة، بين الشعرية والواقعية، لتصل إلى أوسع شريحة من الجمهور.
لم يكن طريق سعد الله مفروشًا بالورود. واجه انتقادات واتهامات، وحوربت بعض مسرحياته، لكن إيمانه برسالته كان أقوى من كل التحديات. كان يرى في المسرح منبرًا للحوار، وسلاحًا في معركة الوعي، وفسحة للأمل في عالم يسوده اليأس أحيانًا.
في سنواته الأخيرة، وبينما كان المرض يشتد عليه، لم يتوقف سعد الله عن الكتابة. كانت كلماته تنبض بإصرار عجيب على الحياة، على مقاومة الظلام، وعلى التمسك بحلم التغيير. حتى في لحظات ضعفه، كان المسرح حاضرًا في روحه، يمنحه القوة والصبر.
رحل سعد الله ونوس جسدًا، لكن مسرحه بقي حيًا، يشعل النقاش، يثير الأسئلة، ويدفعنا إلى إعادة التفكير في ذواتنا ومجتمعاتنا. لقد ترك لنا إرثًا مسرحيًا غنيًا بالشجاعة الفكرية والعمق الإنساني، مسرحًا لا يهدف إلى التخدير والتسلية، بل إلى التنوير والتحرير. قصته هي قصة فنان آمن بقوة الكلمة والمسرح في تغيير العالم، وعاش ومات من أجل هذا الإيمان.

بقلم:

د.زين عبد الهادي

الكاتب والأكاديمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى