كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| ما لا يُقال عن الاستثمار.. هل نُجهّز الأرض أم نُطارد الوهم؟

في الزمن الذي أصبحت فيه الاستثمارات الأجنبية تُقاس بثواني الفرص والقرار الاقتصادي لا ينتظر المجاملات أو التصريحات المنمقة، تبرز مصر اليوم باعتبارها دولة تحاول أن تُغيّر قواعد اللعبة لا أن تُعيد تدويرها. ولكن السؤال الأهم: هل نُجهّز الأرض فعلا أم لا نزال نطارد وهما في سباق الفرص الدولية؟

منذ سنوات والدولة المصرية تُخوض معركة شرسة على جبهات متعددة: إصلاح اقتصادي، وبنية تحتية، وإعادة صياغة البيئة التشريعية، وتوفير أمن شامل ومستقر في منطقة تعيش على صفيح ساخن. لكننا نحتاج — بين حين وآخر — إلى التوقف لا لنجلد الذات بل لنراجع المسار ونسأل: أين نقف الآن؟ وماذا بعد؟ وهل الصورة التي نُصدّرها عن مصر كمركز إقليمي جاذب للاستثمار تتطابق مع ما يراه المستثمر بالفعل؟

الإجابة قد تكون صادمة للبعض، لكنها تحمل جرعة من التفاؤل الواقعي: نعم الدولة تُجهّز الأرض. لكن المطلوب الآن هو زراعة العقول قبل المباني، وتحفيز الثقة قبل رأس المال.

فلننظر أولا إلى ما تحقق: شبكة طرق لم تعرفها مصر من قبل وموانئ ذكية تربط البحرين الأحمر والمتوسط ومناطق صناعية ولوجستية تُقام وفق أعلى المعايير العالمية، ومدن جديدة بمواصفات القرن الـ21 وسوق محلية تضم أكثر من 100 مليون مستهلك ، وموقع جغرافي يُعد الأفضل لمن يفهم أهمية الاتصال بين ثلاث قارات.

هذا وحده كان كافيا لأن يكون إعلانا عالميا عن جاذبية مصر. لكنه لا يكفي فالسوق العالمية أصبحت أكثر تعقيدا والمستثمر اليوم لا يبحث فقط عن الكهرباء والبنية والعمالة بل عن القصة الكاملة: من سهولة التأسيس إلى استقرار السياسات إلى الوضوح الضريبي إلى التعامل الإداري الشفاف.

ومصر تدرك ذلك. ولذلك بدأت الدولة تتحرك على عدة محاور:

1. هيئة الاستثمار لم تعد مجرد جهة ترخيص بل تُعيد اليوم تصميم خارطة الفرص وتُوجّه المستثمر إلى الفرص الحقيقية بدلا من مجرد منحه رخصة ورقية .
2. المناطق الاقتصادية الخاصة وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ، تتحول تدريجيا إلى نموذج يُحاكي التجارب العالمية في سنغافورة ودبي.
3. قانون جديد للاستثمار وحوافز جادة للاستثمار في قطاعات صناعية وتكنولوجية بعينها ورسائل واضحة من القيادة السياسية بأن الاستثمار ليس رفاهية بل “أمن قومي”.

لكن.. ماذا ينقصنا؟
الجواب يكمن في الشق غير المادي من الاستثمار: الثقة والشفافية، والوضوح.

نحتاج إلى إصلاح الجهاز الإداري بوتيرة أسرع نحتاج إلى نموذج خدمة موحد لا يجعل المستثمر يتوه بين الجهات واللجان. نحتاج إلى طمأنة رأس المال المحلي أولا لأنه المُحفز الطبيعي لأي استثمار أجنبي. ونحتاج كذلك إلى تسويق مصر عالميا ليس فقط بالحملات الدعائية، بل بقصص النجاح الحقيقية على الأرض مثل ما حدث في قطاعات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية.

نحن لا نُطارد وهما بل نمشي على طريق طويل وصعب. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الرضا عن الخطوات الأولى. فالعالم من حولنا لا ينتظر والمنافسة شرسة. وكل تأخير في إصلاح منظومة الضرائب أو تبسيط الإجراءات أو تحسين جودة التقاضي التجاري يعني فرصة ضائعة.

الدولة المصرية بدأت بالفعل في تمهيد الأرض وبدأت تحقق خطوات محسوبة. والمطلوب من الإعلام ألا يُكتفي بالإشادة، بل أن يُشارك في شرح الصورة وتقديم الملاحظات البنّاءة، وتحويل الاستثمار من شعار حكومي إلى ثقافة مجتمعية. فكل موظف يعطّل ملفا، وكل جهة تتأخر في إصدار موافقة هي في الواقع تُعطّل عجلة نمو وطن كامل.

الرهان اليوم ليس على عدد المستثمرين بل على نوعهم وولائهم واستدامة وجودهم. ومصر بما تمتلكه من موقع وسوق وعلاقات سياسية مستقرة، ومشروعات ضخمة جارية بالفعل، تستطيع أن تكون واحدة من أكبر وجهات الاستثمار في المنطقة.

لكن ذلك لا يتحقق بالخطابات فقط، بل بربط كل مستثمر حقيقي برؤية اقتصادية متكاملة، وفريق عمل لا يعرف المستحيل، وإدارة ترى في المستثمر “شريك تنمية”، لا “مصدر إيراد مؤقت”.

الخلاصة؟ مصر لا تطارد الوهم. لكنها لا تحتمل التباطؤ أيضا. والسباق في عالم الاستثمار لا ينتظر المترددين. ومع ما تم إنجازه حتى الآن ومع وجود إرادة سياسية واضحة تدفع نحو الإصلاح والانفتاح فإن المستقبل لن يكون فقط لمَن يزرع الأرض بل لمَن يزرع الثقة والوضوح والانضباط.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى