كلمة ورد غطاها| عملية نضيفة مية المية في زمن الشفافية الرقمية

أتذكر العبارة الشهيرة التي كان يرددها كثيرا الفنان سامي فهمى في مسلسل حكايات ميزو من خلال أدائه لدور “سلطان” صديق الفنان سمير غانم “ميزو” عندما كان يشرح له خطة للقيام بعملية نصب جديدة وهى في الحقيقة في غاية السذاجة “عملية نضيفة مية المية” و أتذكر رد فعل “ميزو” على تلك الخطط شديدة السذاجة.
تذكرت تلك العبارة صباح اليوم عندما استيقظت فوجدت وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن ادعاء إعلامية بانها صاحبة عدد من اللوحات الفنية و اتضح ان هذا ليس صحيحا حيث قامت المبدعة الاصلية دنماركية الجنسية بالإعلان عن هذا عبر صفحتها الرسمية في تطبيق “انستجرام”، والحقيقة انه لطالما مثّلت الأعمال الفنية، وخصوصًا اللوحات، امتدادًا لروح مبدعها، بصمته الخاصة، وأثره الذي لا يُمحى. غير أن هذا الأثر كثيرًا ما يصبح عرضة للاختلاس، لا على هيئة اقتناء أو جمع فني، بل عبر ما يمكن تسميته بـ”السرقة الفنية”: حين يظهر شخص على شاشات الإعلام، أو منصات التواصل، مدّعيًا أنه صاحب تلك اللوحة المبهرة، وأنها من نسجه وإبداعه، ليحصد الإعجاب والتكريم وربما المال، قبل أن تنقلب الصورة تمامًا ويظهر الفنان الحقيقي، غالبًا من بلد بعيد، معلنًا أن ما نراه ليس سوى عمله الذي أُنتزع منه عنوة، دون إذن أو نسب.
وهذه ليست المرة الأولى فلقد شهدنا جميعًا في السنوات الأخيرة حالات متكررة من هذا النوع، بعضُها طُوي سريعًا، وبعضُها أخذ بعدًا قانونيًا وأخلاقيًا وثقافيًا واسعًا. وفي كل مرة، يعاد طرح السؤال: ما الذي يدفع شخصًا لأن يسرق لوحة أو فكرة إبداعية ويدّعي نسبتها لنفسه؟ وهل كان بإمكانه أن يفلت بفعلته لو أنه وُلد قبل عدة عقود من اليوم؟
فاذا عدنا إلى ما قبل شبكة الإنترنت في القرن العشرين وما قبله، لوجدنا أن المسافات الجغرافية وقلة وسائل الاتصال كانت دروعًا تمنح بعض الجناة حصانة نسبية. فالفنان الذي يسرق عملاً من متحف صغير في أوروبا الشرقية ويعيد رسمه في قاعة عرض بعاصمة عربية أو آسيوية، لم يكن يُخشى فضحه بسهولة، لأن إمكانية الاكتشاف او المقارنة أو التحقق كانت شبه منعدمة، إلا لمن يتابع المجلات الفنية المتخصصة أو يسافر كثيرًا أو يملك أرشيفًا نادرًا. وحتى في حالة الشك، فإن إثبات السرقة كان يتطلب سنوات من المراسلات الورقية، وشهودًا، وربما خبراء يصعب الوصول إليهم.
لكن ذلك كله تبدّل بصورة هائلة مع دخول البشرية عصر الإنترنت، ثم التحول الرقمي، ثم الذكاء الاصطناعي. فأي لوحة تُعرض اليوم في زاوية صغيرة من شاشة تلفزيون محلي، يمكن في لحظات أن تصبح محل تدقيق عالمي من خلال مشاركتها و نشرها على موقع مثل اكس -تويتر سابقا- أو انستجرام. ومع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على البحث العكسي عن الصور، بات من الممكن تتبع جذور اللوحة، والتعرّف على النسخة الأصلية، وتاريخ نشرها، وحتى توقيع الفنان، مهما كان دقيقًا أو صغيرًا أو مطموسًا عمدًا.
لقد حدث بالفعل أن تم اكتشاف سرقة فنية لمجرد أن أحد المتابعين كتب تعليقًا عابرًا: “أظنني رأيت هذه اللوحة من قبل!” لتتحول بعدها الخيوط الإلكترونية إلى خيوط قانونية، وتحقيقات، واعتذارات، وأحيانًا تعويضات.
ولا يقتصر الأمر على الذكاء الاصطناعي في تتبع الصور الثابتة فحسب، بل باتت هناك أدوات تحليل للأنماط الفنية، تقارن بين ضربات الفرشاة، وتركيبة الألوان، ونوع القماش المستخدم، بل وحتى ترتيب الطبقات اللونية، ما يجعل الادعاء بالملكية الفنية في غير موضعه مخاطرة لا تليق بزمن الشفافية الرقمية.
ولعل السؤال يكون: هل نعيش عصرًا أصبح فيه الكذب الفني مستحيلاً؟ أم أن من يسرق، سيظل دائمًا يراهن على فجوة ما – قانونية، تقنية، أو حتى جماهيرية – يمر من خلالها؟ والحقيقة أن الفجوات قد تكون موجودة، لكنها تضيق يومًا بعد يوم. هذا بالإضافة الى ان كل لوحة أو مقطوعة موسيقية أو نص أدبي من السهولة بمكان ان يتم حمايتها من خلال تقنيات فنية مثل سلاسل الكتلة او البلوك تشين Block Chain لتكون متفردة تماما مثل بصمة الإصبع، لا يمكن انتحالها أو تزويرها.
ولذلك يجب على كل فنان أن يُعلن، لا فقط عن إبداعه، بل عن ملكيته له. وعلى كل متلقٍّ، أن يكون أكثر وعيًا بأن خلف الجمال والانبهار تتواجد أحيانًا قصصًا من السطو والتنكر والانتحال، لا تقل إثارة عن اللوحة ذاتها. وربما هذا هو التحدي الأخلاقي والفكري الحقيقي: أن نكون، نحن كمجتمع، العين الساهرة على الإبداع، لا فقط المُتلقي له.




