كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| السفارة في البروفايل

منذ عدة أيام، نشرت السفارة الأمريكية بالقاهرة بيانا لافتًا على صفحتها الرسمية على تطبيق التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، تطلب فيه من المتقدمين للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة أن يجعلوا حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي “عامة” يوم المقابلة، حتى يتسنى للمسؤولين الاطلاع على ما ينشره الشخص، أو على الأقل، ما يختار إظهاره للعالم.

للوهلة الأولى، قد يبدو الطلب غريبًا أو متطفلًا، لكنه في الحقيقة ليس مفاجئًا، ولا هو خارج عن السياق العام الذي نعيشه في عالم أصبحت فيه “الهوية الرقمية” مرآة قد تكون أصدق من المقابلات الشخصية، وأكثر وضوحًا من السجلات الورقية. او على الأقل تنبئ بما لا يمكن اظهاره او اخفاءه في الورق او المقابلات فنحن الآن أمام واقع جديد: صفحتك تقول عنك الكثير… وربما أكثر مما تود أن تقوله بنفسك.

والحقيقة انه لطالما اعتبرت مقابلات السفارات اختبارًا حيويًا لتحديد نوايا المتقدم للسفر ولكن يبدوا انه في إطار تحسين هذا الاجراء وزيادة فاعليته فإنها أصبحت اليوم تعتمد على أدوات إضافية، منها ما تنشره على صفحتك من آراء، وما تعلّق عليه من منشورات، وما تشاركه من صور، بل وحتى المجموعات التي تنضم إليها أو تتابعها. فالسفارة لا تكتفي بسؤالك عن أهدافك من السفر، بل تنظر فيما إذا كانت تلك الأهداف تنسجم مع نمط حياتك الرقمي وتتعرف من خلال صفحتك على المسكوت عنه او غير المطرق اليه في تلك المقابلات.

وفي الواقع، السفارات ليست وحدها من يفعل ذلك. اليوم، كثير من الشركات، والمؤسسات التعليمية، وحتى الإباء الذين يتقدم لبناتهم “عريس”، باتوا يفتشون أولاً في سجله الاجتماعي الرقمي قبل اتخاذ القرار، بل إن بعض الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة – وعلى رأسها هارفارد – قامت في السنوات الأخيرة بإلغاء قبول طلاب بعد أن تبين من مراجعة حساباتهم الشخصية أنهم قد قاموا في وقت سابق بنشر تعليقات عنصرية، أو محتويات لا تتفق مع قيم الجامعة. كل ذلك حدث بعد قبولهم الرسمي، لكن قبل التحاقهم الفعلي، فالعالم الرقمي لا ينسى.

فالأمر لا يتعلق فقط بما تنشره أنت، بل أيضًا بما تسمح للآخرين بنشره لديك، بما تعلّق عليه، أو ما تُظهر أنك “معجب” به. هل تشارك منشورات عنيفة؟ هل تدخل في جدال حاد؟ هل تعيد نشر أخبار كاذبة أو مثيرة للفتن؟ هل تعلن عن مواقف متطرفة؟ هل تظهر ميلاً مبالغًا فيه للسخرية من كل شيء؟، هل تتحدث كثيرا عن الكتائب او الموت؟، هل تقوم بملء حسابك بمنشورات دينية وادعية؟، هل انت متعهد “جمعة مباركة” في مجرتنا والمجرات المجاورة؟، كل هذه أمور لا تمر مرور الكرام في عالم أصبح فيه المحتوى الرقمي جزءًا من السيرة الذاتية.

وللأمانة فان هذا الأمر قد ازداد تعقيدًا في السنوات القليلة الماضية، حين نعلم أن بعض الجهات والمؤسسات والشركات تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الحسابات، واستخراج السمات النفسية والشخصية من خلال تحليل اللغة، وتكرار الكلمات، وطرق التفاعل وغيرها.

هذا الامر قد يجعلنا نتساءل “هل من العدل أن نُحاسب على منشورات قديمة أو نُفَسَّر بطريقة خاطئة؟”. والإجابة المنطقية: ربما لا يكون الأمر عادلاً بالكامل، لكنّه واقع لا مفر منه، فلا يجب ان ننسى او نتجاهل مقولة سقراط الخالدة “تكلم حتى اراك”، ولذلك فانه بالرغم من اننا من قمنا بتحويل صفحاتنا إلى دفاتر مفتوحة، ننشر فيها آراءنا الأكثر انفعالًا، وسخريتنا من كل شيء، ومعاركنا اليومية او حتى ادعاءاتنا وكذبنا ثم نندهش حين تُقرأ تلك الصفحات كوثيقة تعكس “من نحن”.فاللوم هنا لا يقع على السفارة او الشركة او الاب ، فهم جميعا يقرأون ما نُشر بإرادتنا، ويستنتجون ما قد يستنتجه أي شخص يطلب منه تقييم النوايا والسلوكيات.

وهنا نجدنا نفكر في حلول او مخارج من تلك الورطة او الازمة او فلنقل “الانكشاف والتعري” ونتساءل هل نحن بحاجة إلى تزوير أنفسنا رقميًا او الى ارتداء أقنعة “افتراضية” لتجميل صورتنا، ام اننا بحاجة إلى وعي رقمي حقيقي، يدرك أن العالم يقرأنا من خلال ما ننشره، ويقرر عنا بناءً على ما نظهره. وان نعمل على ان تكون صفحاتنا على أي منصة من تلك المنصات، امتدادًا صادقنا لنا، لا صورة مزيفة، ولا فخًا ننصبه لأنفسنا او للأخرين. وان يكن ما ننشره قابلًا للعرض أمام الاهل والأصدقاء ومدراء العمل و غيرهم بل و لأنفسنا أيضا بعد مرور عشرات السنين.

وبالرغم من اننا لا نملك السيطرة او التحكم فيما يقرره الآخرون عنا، لكننا نملك التحكم فيما نختار أن نظهره لهم. وذلك اعتقد انه قد آن الأوان أن نسأل أنفسنا: ماذا تقول صفحتنا عنا؟ وهل تعكس من نكون فعلاً؟ أم فقط من نبدو عليه لحظة غضب أو ياس او رغبة في لفت الانتباه؟

في النهاية اعتقد ان مولانا جلال الدين الرومي قد لخص الامر حين قال ” كُن في الحُبِّ كالشّمس، كن في الصداقة والأخوّة كالنّهرِ، كُن في ستر العيوبِ كالليل، كن في التواضعِ كالتراب، كن في الغضب كالميت.. وأيًّا كنت من الخلائق.. إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو”.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى