رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| التحول الإنتاجي.. من الاستيراد إلى التصنيع
بقلم: شحاتة زكريا

لم يعد التحول الإنتاجي رفاهية اقتصادية ولا شعارا يرفع في المؤتمرات بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها معادلات عالم مضطرب تتغير فيه سلاسل الإمداد كما تتغير خرائط النفوذ. سنوات طويلة اعتمدت فيها اقتصادات نامية – ومنها اقتصادنا – على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق مستفيدة من انفتاح تجاري واسع لكنها دفعت في المقابل فاتورة ثقيلة كلما اهتزت الأسواق العالمية أو ارتفعت تكلفة العملة الأجنبية..اليوم تبدو المعادلة أكثر وضوحا: لا استقرار حقيقي بلا قاعدة إنتاجية صلبة ولا أمن اقتصادي بلا صناعة قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية وتقليل فجوة الاستيراد. فالتحول من اقتصاد يميل إلى الاستهلاك إلى اقتصاد يقوده الإنتاج ليس مجرد تعديل في الأرقام بل تغيير في الفلسفة والرؤية ..
التصنيع لا يعني فقط إنشاء مصانع جديدة بل يعني بناء منظومة متكاملة: تعليم فني متطور نقل تكنولوجيا حوافز استثمارية ذكية بيئة تشريعية مستقرة وبنية تحتية قادرة على دعم التوسع. هو مشروع دولة يتجاوز فكرة الإحلال محل الواردات إلى هدف أوسع: تعميق المكون المحلي ورفع القيمة المضافة والانطلاق نحو التصدير ..
في السنوات الأخيرة شهدنا توسعا في المناطق الصناعية وتوجها لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومحاولات جادة لتوطين صناعات استراتيجية من الصناعات الهندسية إلى الدوائية والغذائية. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ضخ الاستثمارات بل في ضمان الاستدامة وخلق تنافسية حقيقية تجعل المنتج المحلي قادرا على الصمود في الداخل والمنافسة في الخارج ..
التحول الإنتاجي يتطلب أيضا تغييرا ثقافيا. فثقافة الاستيراد السريع والربح السهل يجب أن تحل محلها ثقافة التصنيع طويل النفس الذي يحتاج إلى صبر واستثمار في المعرفة والعمالة الماهرة. وهنا يبرز دور الدولة في إعادة توجيه الحوافز ودور القطاع الخاص في تحمل مسؤولية الشراكة ودور المجتمع في دعم المنتج الوطني ليس بالشعارات بل بالثقة في جودته ..
اقتصاديا تقليل فاتورة الاستيراد يخفف الضغط على العملة الأجنبية ويمنح الاقتصاد مساحة أوسع للتحرك ويقلل من تأثره بالصدمات الخارجية. واجتماعيا يفتح التصنيع أبوابا واسعة لفرص العمل خصوصا للشباب ويعيد الاعتبار لقيمة العمل الفني والحرفي. واستراتيجيا يمنح الدولة قدرا أكبر من الاستقلال في قراراتها الاقتصادية.
غير أن الطريق ليس مفروشا بالورود. فهناك تحديات تتعلق بتكلفة التمويل وتذبذب أسعار الطاقة عالميا والمنافسة الشرسة من منتجات منخفضة التكلفة إضافة إلى الحاجة المستمرة لتطوير الجودة والمعايير. لكن مواجهة هذه التحديات تبدأ بالاعتراف بها ووضع سياسات واضحة وشفافة للتعامل معها بعيدا عن الحلول المؤقتة ..
الرهان اليوم ليس على مصنع هنا أو مشروع هناك بل على تحول هيكلي يعيد ترتيب الأولويات. فبدل أن نستهلك ما نصنعه غيرنا نصنع ما نحتاجه ونصدر ما يفيض عنا. بدل أن نظل رهائن لسلاسل إمداد بعيدة نبني سلاسلنا داخل حدودنا مستفيدين من موقع جغرافي متميز واتفاقيات تجارية واسعة وأسواق إقليمية واعدة ..
إن التحول من الاستيراد إلى التصنيع ليس قرارا اقتصاديا فحسب بل هو قرار سيادي يتعلق بمستقبل أجيال. هو اختيار بين اقتصاد يعيش على هامش التغيرات العالمية واقتصاد يشارك في صناعتها. هو انتقال من رد الفعل إلى الفعل ومن انتظار الخارج إلى الثقة في الداخل .. وفي النهاية يبقى السؤال الذي يجب أن نحسمه بوضوح: هل نكتفي بإدارة فاتورة الاستيراد عاما بعد عام أم نمتلك الشجاعة لنغير المعادلة من جذورها؟
التحول الإنتاجي ليس طريقا قصيرا لكنه الطريق الذي يصنع الفارق. فالدول التي صنعت مجدها لم تفعل ذلك بالاستيراد بل بالإنتاج. وما بين حاوية تصل إلى الميناء ومصنع يدور في قلب الوطن تتحدد ملامح المستقبل… مستقبل يكتب بيد من يختار أن يصنع لا أن ينتظر.



