كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “سعادة بفعل فاعل”

إرتفع صوت الشجار داخل القاعة والكل يُلقي باللوم على جاره بحدة وغضب، الحدث جلل والكل في حالة هلع من رد فعل حاكم المدينة عند علمه بما حدث، مصيبة كبيرة الكل يحاول التملص منها والقسم بأنه غير مسؤول عنها وعن حدوثها، كل شئ كان هادئ ومستقر حتى ليلة أمس عندما وصل لقصر الحاكم خبر ضبط شرطة المدينة لرجل يضحك بسعادة في أحد الشوارع..

تم ضبطه متلبسًا والشهود عددهم لا يقبل التشكيك، أكدوا جميعًا أنهم شاهدوا الرجل وهو يضحك حتى ظهر لهم بلعومه من فرط سعادته، أصابهم الذعر من هيئته ولم يتشجع أحدهم من الإقتراب منه، فقط ظلوا يشاهدونه على بعد خطوات بدهشة عارمة وهم لا يعرفون سبب ضحكه وسعادته..

مصيبة كبيرة لم تشهدها المدينة منذ سنوات طويلة، مدينة التعساء غير مسموح فيها بالسعادة، القوانين تجرم من يضحك أو يشعر بالسعادة..

الضحك فال شؤم يجلب المصائب والكوارث ويفتح باب الجنون على مصراعيه ويخلق الشبح المرعب الذي طالما سمع عنه سكان المدينة -السعادة- ويعرفوا عقاب من يشعر بها أو يُضبط وهو يحمل بعض منها بداخل قلبه أو عقله، كل شئ مقبول ومسموح به دون الإقتراب من أي مصدر للبهجة أو السعادة، قوانين صارمة لم يجرؤ أحد على إختراقها ابدًا حتى تلك الليلة..

المثير للرعب أكثر من ضبط الرجل يضحك، أنه لم يُخفي إبتسامته عند القبض عليه، بل بوقاحة كبيرة أخبرهم وهو منتشي أنه بالفعل يشعر بالسعادة، رجال الشرطة بعد جلسة طويلة معه تأكدوا أن الرجل غريب عن المدينة ولا يعلم قوانينها، راحة نسبية بعد معرفة ذلك الأمر وأن الجريمة تمت من قِبل غريب وليس أحد أبناء المدينة..

في الزنزانة جلس الرجل منزويًا في أحد الأركان وهو يشعر بالقلق والخوف ولا يفهم سبب القبض عليه، أحد السجناء فور رؤية الغريب بلا إبتسامة إقترب منه بحذر وسأله عن سبب سعادته وكيف يمكن للمرء أن يشعر بها، كيف تنشأ ومن أين تأتي وما هو طعم الشعور بالسعادة..

إلتف حوله السجناء وهو يشرح لهم أن سعادته بسبب معرفة خبر حمل زوجته، نظروا لبعضهم بحيرة وسأله أحدهم وكيف لهذا الخبر أن يجعل الرجل يشعر بالسعادة؟..

تحدث بلا تحفظ وأخبرهم بأن ذلك يعني أن إبن له في الطريق وأن هذا خلق بداخله السعادة أن يجد من يحمل الراية من بعده ويكمل مسيرته وخلق بداخله الأمل في حياة عائلية أكثر سعادة، إنتبه أحدهم وسأله بعدم فهم، ما معنى الأمل؟!

طال حديثهم وفهم منهم أن قانون المدينة الصارم يمنع السعادة ويجرمها وأن من يُضبط مبتسمًا يتم عقابه وسجنه أو طرده خارج أسوار المدينة، تملك الفزع من الغريب وهب واقفًا وظل يضرب باب الزنزانة بيديه بقوة وهو يصرخ على سجانهم أنه غريب وأن السعادة مسموح بها في مدينته دون أن يجيبه أحد..

وصل الخبر للحاكم وأصر على رؤية الغريب المبتسم، وقف بين يديه مرتعبًا والحاكم يتفحصه بريبة وإستغراب..

– كيف جرؤت على فعل ذلك في مدينتي؟

– صدقني يا سيدي أنا غريب ولا أعرف قوانين مدينتكم

– لكنك فعلت فعلتك هنا في مدينتي وشاهدك بعض أهل المدينة

– سامحني يا سيدي ودعني أرحل ولن أعود هنا مرة أخرى مهما حدث

صمت الحاكم دقيقة وهو يرمق الغريب بنظرة فاحصة قبل أن يوجه حديثه لرجل الشرطة،

– هل حققتم معه بشكل جيد؟

– نعم يا سيدي

– وما رأيك؟

– الرجل غريب يا سيدي وكلامه غير مفهوم ويتحدث عن أمور نجهلها

– مثل ماذا؟

– يقول أن سبب سعادته أنه شعر بالأمل فور علمه بحمل زوجته وأنه يحبها بشدة وإنجابه ولد منها هو ما أوقعه في شر جريمته

– أمل؟!

– نعم يا سيدي هكذا قال وهكذا نطقها

تحدث الحاكم في الحضور بصوت هادئ ورصين، إذا سعادة الرجل لم تكن من صنعه بل هى بفعل فاعل والفاعل هنا هو زوجته التي أخبرته بحملها، طلب الوزير الحديث وأخبر الحاكم أن زوجته غير مذنبة وأن كل نساء المدينة تحمل وتلد ولم تتسبب إحداهن في إصابة زوجها بلعنة السعادة ودفعه لجريمة الإبتسام والضحك في الطريق..

أومأ الحاكم برأسه مقتنعًا بوجهة نظر وزيره وعاد لتفحص الغريب من جديد وهو يفكر في قرار بخصوصه وبخصوص جريمته، نظرات الغريب بعد فقده لسعادته كانت شديدة الذعر والتعاسة، ملامح يحبها الحاكم ويحب رؤيتها ويأنس بها وتجعله يطمئن على حال المدينة..

طلب من الجميع الخروج من ديوانه ونهض وإقترب من الغريب وسأله وهو يكاد يلمس أذنه بفمه..

– هل زوجتك هى من تصيبك بتلك السعادة؟

تلعثم الغريب وإرتبك وفكر بسرعة البرق وأيقن أن إلصاق الجريمة بزوجته هو سبيله للنجاة..

– نعم يا سيدي هى السبب بلا شك، كما تعلم بالتأكيد كل المصائب تأتي بسبب النساء

وضع كفه فوق كتفه وهزه بقوة واضحة وهو يصيح فيه بحدة..

– لو أنك من أهل المدينة لكنت أمرت بقطع رقبتك لتكون عبرة لمن يفكر في أن يرتكب مثل جريمتك ويضحك دون خوف ويعلن سعادته للجميع

– سامحني يا سيدي

صاح الحاكم وطالب رئيس الشرطة بطرد الغريب خارج أسوار المدينة بعد تجريده من كل ملابسه وأخذ كل شئ كان بحوزته، جريمة هينة وعلى رجاله إشاعة القصة لأهل المدينة، الغريب مجنون وقَدم لهم من مدينة بعيدة كلها من الحمقى والبلهاء الذين يضحكون بلا سبب لأنهم بلا عقول..

أشاد الجميع بقراره الحكيم وكرمه ورحمته مع الغريب وتنفسوا الصعداء بعد تفسير الحاكم لهم أن سعادة الغريب سببها أنه أحمق وبلا عقل..

عاد الحاكم لجناحه وفور رؤية زوجته وهى ممدة فوق فراشهم بجسد نصف عاري، إبتسم وإقترب منها بسعادة مطلقة مرتسمة على ملامحه وهو يضحك ويقبل بطنها المنتفخة ويخبرها بدعابة أن أحد المجاذيب ضحك في الشارع لأنه يحب زوجته.

بقلم
أحمد عبد العزيز صالح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى