كاتب ومقال

خطايا تُنسب للماضي

بقلم: وفاء حسن

في الأعمال الدرامية كثيرًا ما يُختزل تشكّل الشخصيات المضطربة في مشهدٍ واحد يعود للماضي: طفولةٍ بلا حنان، بيتٍ يملؤه القسوة، وذكرياتٍ تُقدَّم كأنها التفسير الوحيد لكل ما سيصدر عن الشخص لاحقًا من أذى أو انحراف. هذا التصوير، على شاعريته الدرامية، يحمل تبسيطًا مُخِلًّا لطبيعة الإنسان وتعقيد التجربة البشرية. فالماضي وحده لا يصنع إنسانًا، كما أن الألم ليس قدرًا محتومًا يدفع صاحبه للظلام.

في الواقع، توجد فئة كبيرة من الناس خرجت من بيئات مُنهِكة نفسيًا، حملوا معهم الوجع، لكنهم اختاروا – رغم ذلك – أن ينزعوا شوك التجربة بدلًا من أن يزرعوه في غيرهم. هؤلاء بنوا ذواتهم بوعىٍ مرهق، ورفعوا أنفسهم من طبقات الألم بجهدٍ هادئ وطويل، فصاروا مثالًا على أن الإنسان قادر على تهذيب ما كُسِر فيه، وأن القلب يستطيع أن يظل نقيًا مهما ضاقت عليه الحياة.

وفي المقابل، نرى آخرين نشأوا في بيوت دافئة، غمرتهم الرعاية، ولم يعرفوا الحرمان العاطفي أو العنف، ومع ذلك اختاروا سلوك طريق مُؤذٍ، يُوجِعون من حولهم بلا مبرر. هؤلاء لا يمكن تعليق تصرفاتهم على شماعة الماضي؛ لأن الماضي هنا لم يكن عائقًا أصلًا، بل كان سندًا لم يستثمروا وجوده.

تجربة الإنسان ليست مجرد تراكمات زمنية، بل هي عملية اختيار يومية: ماذا أفعل بما مرّ عليّ؟ كيف أتعامل مع ندباتي؟ هل أجعلها سببًا لتصالح أعمق مع نفسي، أم ذريعةً لتخريب الآخرين؟
النضج لا يولد تلقائيًا من الألم، ولا يتشكل آليًا من الرعاية، بل يتطلب مواجهة صادقة مع الذات، واستعدادًا للإصلاح مهما كلّف الأمر. فالشفاء قرار، والمساءلة قرار، ومواجهة الانكسارات قرار. أما الهروب وإلقاء الأخطاء على الماضي فهو أسهل الطرق وأكثرها خداعًا.

الذين يريدون أن يكونوا أسوياء حقًا يبذلون جهدًا داخليًا صامتًا: يعالجون ما يوجعهم، يعترفون بما ينقصهم، ويُرمّمون ما تهدّم فيهم. والذين لا يريدون، يجدون دائمًا حكاية جاهزة يختبئون خلفها، ويلقون بثقل تصرفاتهم على زمنٍ مضى لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

في النهاية، ليست الطفولة وحدها من ترسم ملامح الإنسان، بل الطريقة التي يقرر بها مواجهة أثرها. فالذات تُبنى بالاختيار قبل أن تُشكَّل بالظروف، وما نمنحه للعالم – حبًا أو أذى – هو انعكاسٌ مباشر لمدى شجاعتنا في إصلاح ما بداخلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى