كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| لقد أخجلتم تواضعنا

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

يذكر الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب أن أول من استخدم تعبير “لقد أخجلتم تواضعنا” هو الزعيم سعد زغلول، وذلك في معرض حديثه عن فن المجاملات والألفاظ الراقية الجذابة التي تبين المعنى والمقصد والهدف بسهولة ويسر، وبأسلوب متميز يعلق في الذاكرة ولا يمكن نسيانه. فهذا التعبير مجرد تركيبة لغوية من ألفاظ وأفعال معروفة ومتداولة، هما “الخجل” و”التواضع”. وتأتي العبقرية من فن الانتقاء المتناغم لألفاظ متداولة من أجل إنشاء تعبير جديد يعيش كل تلك السنوات، وسيستمر كذلك حتى يأتي تعبير آخر أكثر عبقرية يُستخدم للدلالة على الأمر ذاته. وهذه هي إحدى مميزات عبقرية وثراء اللغة العربية الفصحى.

الأمر موجود أيضًا في العامية المصرية التي أعتبرها امتدادًا سليماً للفصحى، وأقرب اللهجات إليها وإلى الصحيح من كلماتها وتعبيراتها وتراكيبها، بالإضافة أيضًا لما تحمله من إرث قديم من لغات قديمة تحدث بها الإنسان المصري عبر العصور الفرعونية والقبطية والرومانية والتركية وغيرها. فعلى سبيل المثال، نجد أن كلمة “شيشني” التي تعني الفحص لها أصل تركي، يأتي من مهنة فحص الذهب وتحديد درجة دقته ومعياره، وهو ما كان يقوم به الشيشنجي. وكلمة “إمبو” التي يستخدمها الطفل للتعبير عن عطشه، هي كلمة مصرية قديمة تنقسم في الأصل إلى كلمتين: “إمب” وتعني عطشان و”موا” وتعني مياه، أي أريد مياه، وكذلك كلمة “كخ” وغيرها من الكلمات.

بالإضافة إلى هذا، نجد أن المطالع لخريطة مصر يجد العديد من أسماء المدن والقرى والمناطق، ولكل منها قصة وحكاية وسبب للتسمية. فمثلاً، نجد أن أصل كلمة “ميت عقبة” يعود لتسميتها الأصلية “منية عقبة” نسبةً إلى الصحابي عقبة بن عامر الجهني الذي كان واليًا على مصر، حيث كانت المنية في اللغة تعني الممات أو مكان إقامة شخص. ومع تحريفها وتغيرها عبر الزمن، أصبحت “منية عقبة” تُعرف بـ”ميت عقبة”، ومثلها منطقة بولاق وصولًا إلى كفر البطيخ الذي كان يشتهر بزراعته.

وخلال العقود القليلة الماضية، ومع نشاط حركة الترجمة وزيادة معدلات التواصل والتقارب بين الشعوب واللغات واللهجات، ولمتطلبات أخرى، نجد تعبيرات مستحدثة أصبحت جزءًا من سياق الحديث الإعلامي والرسمي وبين الأفراد أيضًا. كلمات مثل استدامة، تمكين، تنمر، ابتزاز إلكتروني، أمان سيبراني، ذكاء اصطناعي، تواصل اجتماعي، واقع افتراضي، واقع معزز، رأس مال بشري، اقتصاد معرفي وسلوكي وتشاركي، وألوان مختلفة للاقتصاد مثل الأحمر والأخضر والأزرق والبرتقالي، وتعبيرات مثل ريادة الأعمال، المنصات الرقمية، العملات الافتراضية، التعلم الآلي، التعلم العميق، التعليم المدمج، جودة الحياة، الشخصية النرجسية، الطاقة الإيجابية، الطاقة السلبية، التريند، الهاشتاج، الفعاليات، وغيرها الكثير.

التعبيرات العامية كثيرة أيضًا، منها روش، نفض، فاكس، كتيان، كاورك، الماظات، هري، هرس، وغيرها. والحقيقة أن تطورات اللغة وأسماء الأماكن والتركيبات اللغوية هي ظاهرة عالمية قد لا نشعر بها كما نشعر في لغتنا العربية المستخدمة بكثرة، لكن هذا التطور هو ما يميز اللغات عمومًا. فهي كائنات حية تتغذى على فكر البشر الذي يضيف إليها الكثير، ويتجاهل أو يهمل أجزاء أخرى منها. وتبقى الدراسات المتخصصة في محاولة لتوثيق التطور وربطه بالعوامل الأخرى المؤثرة فيه أحد أهم القضايا التي لا يلتفت إليها الكثير من الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى