«قيم الشخصية المصرية في الجمهورية الجديدة».. ندوة بمعرض الكتاب

شهدت قاعة الندوات المتخصصة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة نظمتها مؤسسة «معًا للإعلام والثقافة» تحت عنوان «الشخصية المصرية.. جذورها الثقافية وتحولاتها المعاصرة»، بحضور نخبة من المفكرين والمثقفين والخبراء، هم الدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، والدكتور زين عبد الهادي الكاتب وأستاذ علم المعلومات وتاريخ المعرفة والمشرف العام على مكتبات مدينة الثقافة والفنون، والكاتب الصحفي والباحث محمد مندور، والدكتور عمرو سليمان الرئيس الشرفي للمؤسسة ومدير مشروع الشخصية المصرية، وأدارت الندوة الإعلامية والمخرجة يسر فلوكس رئيس مجلس أمناء المؤسسة.
وأكدت الإعلامية يسر فلوكس، في كلمتها الافتتاحية، أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد الحدث الثقافي الأهم في مصر، متفوقًا على مهرجانات السينما والمسرح، لأنه يعبر بعمق عن الشخصية المصرية، مشددة على أن الحديث عن الهوية يبدأ من هنا، من داخل أروقة معرض الكتاب، حيث تتجسد ملامح الثقافة والوعي والتاريخ.
ومن جانبه، قال الدكتور جمال شقرة إن المصري حين يكون خارج بلاده يُعرف فورًا بأنه مصري، فابن الحضارة مرسومة على وجوهكم، موضحًا أنه خلال وجوده في إندونيسيا وخلال ندوات عديدة في فيتنام حظي بتكريم من دول الشرق الأوسط فقط لأنه ابن مصر. وأشار إلى أن المشكلة تكمن في أننا بين الحين والآخر نطرح سؤالًا يبدو غريبًا: من نحن؟ وكأننا لا نعرف هويتنا، مؤكدًا أن معرض الكتاب يعيد التأكيد على أننا مصريون، وأن جينات هذه الأرض وُضعت فينا منذ آلاف السنين، وأن حدود هذه البلاد عبر تاريخها كانت دائمًا درعًا لحماية الأمن القومي المصري.
وأوضح شقرة أن مصر عبر تاريخها لعبت أدوارًا دبلوماسية وسياسية محورية، فكانت إما دولة قائدة نشطة ومؤثرة في الإقليم والعالم، أو دولة ذات ثقل استثنائي داخل الإمبراطوريات الكبرى، ووصفت في التاريخ الإسلامي بـ«الولاية العصية»، وقيل عنها في زمن الحروب الصليبية «رأس الأفعى». وتساءل: من نكون؟ مجيبًا بأن مصر «ماسة أو سبيكة نادرة» تكونت عبر تاريخ طويل، ومنحت أبناءها ملامح وقيمًا متعددة تشكلت خلال رحلة حضارية عظيمة توارثتها الأجيال حتى يومنا هذا، مؤكدًا في ختام حديثه أن المصريين يمتلكون أنساقًا من القيم ضاربة في عمق التاريخ، وأن الحضارة المصرية يشار إليها بالبنان عالميًا، وأن مصر هبة النيل والمصريين، ورؤيتهم الحضارية تقف شامخة تتحدى كل ما يُحاك ضدها.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور زين عبد الهادي إن نجيب محفوظ يمكن اعتباره أحد أنهار مصر الثقافية، موضحًا أنه تناول طه حسين من منظور فكري عبر مقارنة ما أنتجه طه حسين بما قدمه نجيب محفوظ. وأوضح أن طه حسين كان حامل لواء التنوير في مصر، وامتلك مشروعًا فكريًا متكاملًا موجّهًا إلى المجتمع بأسره، تناول مستقبل التعليم وتنمية المصريين وانتماء مصر إلى حضارة البحر المتوسط وعلاقتها بأوروبا وتعريب التعليم، وغيرها من القضايا الكبرى، مشيرًا إلى أن طه حسين قدّم برنامجًا نظريًا للنهوض بالشخصية المصرية.
وأضاف عبد الهادي أن نجيب محفوظ، وعلى العكس من طه حسين، لم يقدم برنامجًا فكريًا مباشرًا، بل عبّر عن السر الأدبي للشخصية المصرية من خلال رواياته التي تناولت المجتمع المصري وركزت على الطبقة المتوسطة، معتبرًا أن محفوظ قدّم مصر من داخلها، بينما كان طه حسين باحثًا عن مصر ككل من منظور فكري شامل. وأكد أن الأدب يمثل أطلسًا حيًا للشخصية المصرية، مجيبًا عن سؤال: من هي الشخصية المصرية؟ من خلال السرد الروائي، ومشيرًا إلى أن أعظم صفات المصريين هي القدرة على التوافق والتكيف، وهي السمة التي مكنتهم من امتصاص الصدمات عبر التاريخ، وهو ما جسده نجيب محفوظ بوضوح في أعماله، كما يظهر في ثلاثية «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية».
ومن جانبه، قال الكاتب والباحث محمد مندور إن كتابه «ديانة القاهرة» يبحر في عمق الشخصية المصرية، كاشفًا عن مكوناتها الدينية بوصفها عنصرًا أساسيًا في العقل والوجدان، مؤكدًا أن الدين جزء أصيل من الثقافة المصرية. وأضاف أنه كان يتساءل دائمًا: لماذا نشعر بالتشابه حين ندخل مسجدًا أو كنيسة أو نقرأ القرآن أو الإنجيل؟ موضحًا أن الفارق الحقيقي يكمن في النصوص والرموز، بينما يظل الصانع واحدًا، وهو المصري، مشيرًا إلى أن زخرفة المصحف وصناعة الإنجيل نتاج للروح المصرية، في عملية «تمصير» واضحة لكل ما يدخل مصر.
واستشهد مندور برؤية جمال حمدان وهيرودوت الذي وصف مصر بأنها «هبة النيل»، مؤكدًا أن الشخصية المصرية تراكمية تشكلت عبر التاريخ، وأن كل غازٍ أو حاكم دخل مصر ترك بصمته لكنه تمصر وذاب في نسيجها، ليصبح النهر الثالث هو نهر الشخصية المصرية نفسها، متسائلًا: لماذا نحب هذه الشخصية رغم كل التحديات؟ مجيبًا بأن تفردها وقدرتها على الاستيعاب هما سر هذا الارتباط. وانتقل للحديث عن فيلمه «ذاكرة المدينة»، مؤكدًا أن الشوارع والأحياء تحكي تاريخًا حيًا، وأن أدق التفاصيل تسهم في تشكيل الوعي الثقافي والتاريخي.
بدوره، تساءل الدكتور عمرو سليمان: «أين كنا وكيف أصبحنا؟»، معتبرًا أن هذا السؤال يرتبط بصناعة البشر، وهو ما يتقاطع مع علم النفس. وأوضح أن المصري حين كان يبني الحجر كان يصنع حضارة، وأن العمارة المملوكية لم تكن مجرد بناء بل وعيًا فكريًا متكاملًا، مؤكدًا أن مصر دولة ناقلة للحضارات دون أن تفقد هويتها. وأضاف أن مشروع الشخصية المصرية قائم على هذا الامتداد التاريخي، وأن رموزًا مثل طه حسين ونجيب محفوظ والعقاد وعلي باشا إبراهيم جسدوا هذا التفرد.
وأشار سليمان إلى أن كل قوة حضارية عظيمة مرت بالقاهرة، وأن على أرض مصر تحطمت أحلام الغزاة، مختتمًا بالتأكيد على أن من يبحث عن الشخصية المصرية يجدها في وعيها بالتاريخ وقدرتها على التعامل مع الزمن واستمرار عطائها. كما أشار إلى نجاح الرئيس السيسي في إعادة إحياء مدرسة التلاوة والتواشيح المصرية.
ويكمل د. عمرو سليمان، أن مشروع الشخصية المصرية له أهمية كبرى، فقد برزت تلك الشخصية في التمدد الحضاري من مصر القبطية والإسلامية على اختلاف ما مر عليها ومن ذلك استخدام المماليك للحجارة من مصر القديمة لبناء مساجد، ومصر دولة ناقلة للحضارات، وكل دولة ذات شأن مرت من مصر، يونان ورومان ومسيحيين ومسلمين وغيرهم من الحضارات التي مرت من هنا، وعلى أرض مصر تحطمت أحلام الغزاة، وأثرت الشخصية المصرية فيمن مر عليها.
ويضيف سليمان أن الشخصيات التي برزت في تاريخ مصر كان للحضارة المصرية أثرها، ومنذ عهد الحكيم مرنبتاح وحتى الآن أصبح الطب في مصر له بصمته، وفي السياسة حين تضع مصر خطوطها الحمراء لا يجرؤ أحد على تخطيها، ولذلك علينا أن يخرج من بيننا حاليًا رموز وقامات تحفظ هذا التفوق التاريخي.
ويشير د. عمرو سليمان إلى أن الرئيس السيسي نجح فيما كنا نحتاجه منذ 70 عامًا من عودة مدرسة التلاوة والتواشيح المصرية.
وأوضح اللواء الهمشري أن الشخصية المصرية هي المقوم الأساسي لبناء الإنسان في الجمهورية الجديدة، مستشهدًا برؤى جمال حمدان وميلاد حنا حول التلاحم وقت الأزمات.
ويضيف اللواء الهمشري أن الشخصية المصرية هي المقوم الأساسي لبناء الإنسان في الجمهورية الجديدة، وهناك أعمدة د. ميلاد حنا السبعة، وشخصية مصر لجمال حمدان، كلاهما وغيرهم يقول لنا بأهمية التلاحم في الأزمات، ومستقبلنا مرتهن بتلاحمنا والقدرة على الاحتواء الحضاري.
وشهدت الندوة مداخلات عدة، حيث أكد اللواء أشرف بديوي أن الإبداع متأصل في كل ربوع مصر، مشيرًا إلى أن نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد وأنيس منصور نماذج تؤكد ذلك، ويضيف اللواء أشرف بديوي أن نجيب محفوظ من أبناء الأحياء الشعبية، وكذلك طه حسين من الصعيد وأنيس منصور من الدقهلية وجه بحري، والعقاد من أسوان بالوجه القبلي، ما يعني أن الإبداع والتميز متأصل في الشخصية المصرية في كل منطقة.
وفي السياق نفسه، أوضح الدكتور محمد خليف خبير تكنولوجيا المعلومات أن الشبكة المعلوماتية تؤثر في صناعة القرار، وأن المحتوى العربي على الإنترنت ما زال محدودًا، داعيًا إلى تعزيز دور الشباب والعلم في ترسيخ الشخصية المصرية.
وأكد الدكتور زياد عبد التواب أن الشخصية المصرية تمتلك شفرة خاصة قادرة على صناعة المستحيل، وأن مصر نجحت في إضفاء صبغتها على مختلف العلوم، ويؤكد أننا قادرون على النجاح والتفوق وشواهد التاريخ تثبت ذلك.
وفي ختام اللقاء، وجهت الدكتورة يسر فلوكس رئيس مجلس إدارة المؤسسة العربية للإعلام والثقافة الشكر للجمهور، مؤكدة حرص المؤسسة على نشر الوعي الثقافي من خلال الصالونات الأدبية وموقع «كلمتنا»، فيما أكد الأستاذ حسن الشاذلي أن الشخصية المصرية تمثل الفكر والحضور والتاريخ، وأن الاعتدال والمحبة سمة أصيلة في وجدان هذا الشعب منذ فجر التاريخ.
وأوضح محمد الليثي رئيس النادي النوبي أن النوبة هي بوابة مصر الجنوبية وأن النيل كان له الأثر الأكبر في شخصية مصر وهدوءها وتمسكها بالأرض.
شهدت الندوة حضورًا كبيرًا من بينهم الأستاذ حسن الشاذلي والدكتورة شيرين العدوى وعدد من الزملاء الصحفيين المتميزين في ملفات الثقافة والفكر وغيرها.
















