كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| رسالة إلى المستثمرين: لماذا مصر الآن؟

بقلم: شحاتة زكريا

في عالم تتغير خرائطه الاقتصادية بسرعة غير مسبوقة لم يعد السؤال المطروح أمام المستثمرين هو: أين توجد الفرص؟ بل: أين توجد الفرص الآمنة القابلة للنمو والاستمرار؟
وفي خضم هذا المشهد المتقلب تفرض مصر نفسها كإجابة تستحق التأمل الجاد لا بدافع العاطفة أو الجغرافيا وحدهما بل بحسابات السوق الصارمة ومنطق الاستثمار البارد.

مصر اليوم ليست مجرد سوق كبيرة يتجاوز تعدادها المئة مليون نسمة بل هي نقطة ارتكاز إقليمية تربط بين ثلاث قارات. موقعها ليس وصفا جغرافيا محفوظا في كتب المدارس بل عنصر قوة فعلي في زمن سلاسل الإمداد المعقدة وإعادة تشكيل ممرات التجارة العالمية. من يراقب التحولات في حركة التجارة يدرك أن القرب من الأسواق أصبح ميزة تنافسية لا تقل أهمية عن تكلفة الإنتاج.

الميزة الأولى التي تطرح نفسها بقوة هي البنية التحتية. خلال السنوات الماضية جرى استثمار ضخم في شبكات الطرق، والموانئ، والطاقة، والمناطق الصناعية. هذه المشروعات لم تكن ترفا إنشائيا بل تأسيسا لقاعدة قادرة على استيعاب استثمارات صناعية وخدمية واسعة النطاق. المستثمر لا يبحث فقط عن أرض يقيم عليها مشروعه، بل عن منظومة لوجستية متكاملة تقلل الكلفة وتختصر الزمن. وهنا تغيرت الصورة كثيرا عما كانت عليه قبل عقد من الزمن.

الميزة الثانية تتعلق بالطاقة. في وقت تعاني فيه دول عديدة من اضطرابات في الإمدادات وارتفاع في التكلفة استطاعت مصر أن تؤمّن احتياجاتها الأساسية بل وتتحول إلى لاعب مهم في سوق الغاز الإقليمي. الاستقرار في ملف الطاقة يمنح المستثمر عنصرا حاسما في حساباته: القدرة على التخطيط طويل الأجل دون مفاجآت حادة في التكلفة.

أما الميزة الثالثة فهي الإرادة السياسية الواضحة لجعل القطاع الخاص شريكا أساسيا في عملية النمو. لم يعد الخطاب الرسمي يتحدث عن دور تكميلي للقطاع الخاص بل عن دور قيادي في قطاعات متعددة. الإصلاحات التشريعية وتبسيط الإجراءات والتوجه نحو تمكين المستثمر المحلي والأجنبي كلها إشارات تعكس تحولا في فلسفة إدارة الاقتصاد .. ولا يمكن إغفال العنصر البشري. مصر تمتلك قاعدة واسعة من الشباب وهو ما يمثل في الوقت نفسه تحديا وفرصة. التحدي يكمن في ضرورة خلق وظائف كافية ومستدامة أما الفرصة فتكمن في وفرة الأيدي العاملة القابلة للتدريب وفي سوق استهلاكية نشطة تدعم الطلب الداخلي. في معادلة الاستثمار وجود سوق محلية قوية يقلل المخاطر ويعزز الاستقرار ..لكن الحديث الجاد مع المستثمرين يقتضي الصراحة.

مصر ليست جزيرة معزولة عن العالم وهي تأثرت مثل غيرها بموجات التضخم العالمية وتقلبات الأسواق. غير أن الفارق يكمن في القدرة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب الأولويات. التجربة الأخيرة أظهرت أن هناك استعدادا لاتخاذ قرارات صعبة حين تفرضها الضرورة مع محاولة موازنة الأثر الاجتماعي قدر الإمكان ..اليوم ومع اتجاه الاقتصاد العالمي نحو إعادة تموضع الاستثمارات بعيدا عن مناطق التوتر المفرط تبرز مصر كخيار يجمع بين الاستقرار النسبي، والحجم السوقي، والانفتاح التجاري. اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بأسواق عربية وأفريقية وأوروبية تمنح المستثمر منصة تصدير واسعة تتجاوز حدود السوق المحلية ..ثم إن تكلفة الفرصة نفسها تلعب دورا مهما. الانتظار في عالم سريع التغير قد يعني فقدان موقع متقدم في سوق واعدة. كثير من القطاعات في مصر ما زالت في مرحلة النمو ما يعني أن هامش العائد المحتمل أعلى مقارنة بأسواق مشبعة وصلت إلى ذروة المنافسة.

الاستثمار في مصر الآن ليس رهانا على ظرف مؤقت بل على مسار تحول ممتد. التحول لا يكتمل في عام أو اثنين لكنه يصبح واضح الملامح حين تتكامل عناصره: بنية تحتية جاهزة، إرادة إصلاح، سوق كبيرة، وموقع استراتيجي. هذه العناصر حين تجتمع تصنع بيئة يصعب تجاهلها.

رسالتنا إلى المستثمرين ليست دعوة دعائية بل قراءة في واقع يتشكل. مصر لا تدعي الكمال لكنها تتحرك بثبات نحو تحسين مناخ الأعمال وتعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة الإنتاج. والفرص الحقيقية غالبا ما تولد في لحظات التحول لا في أوقات الاستقرار التام.

السؤال الذي يجب أن يطرحه المستثمر على نفسه ليس: هل هناك تحديات؟ فالتحديات موجودة في كل مكان. بل السؤال هو: أين توجد الإرادة لمعالجة هذه التحديات؟ وأين تتوافر المقومات التي تجعل من الاستثمار قصة نجاح محتملة؟

مصر الآن تقف عند نقطة فاصلة بين مرحلة إعادة البناء ومرحلة الانطلاق. من يختار التوقيت الصحيح يحصد ميزة السبق. ومن يدرك طبيعة اللحظة يعرف أن الأسواق الواعدة لا تنتظر طويلا.

لهذا فإن الرسالة واضحة:
الفرص لا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع دائما لكنها تترك إشاراتها لمن يقرأ المشهد جيدا. ومصر اليوم بكل ما تمتلكه من مقومات وتحولات ترسل إشارة قوية لمن يريد أن يستثمر في المستقبل… لا في الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى