رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| المشروعات القومية بعد سنوات التنفيذ: ماذا تقول الأرقام؟
بقلم: شحاتة زكريا

حين انطلقت موجة المشروعات القومية الكبرى كان السؤال حاضرا بقوة: هل نحن أمام إنفاق ضخم بلا عائد سريع أم أمام إعادة تشكيل شاملة لبنية الاقتصاد المصري؟ مرت سنوات وهدأت الضوضاء قليلا وبقيت الأرقام وحدها مطالبة بأن تتكلم .. في الاقتصاد لا تقاس المشروعات بالشعارات بل بالمؤشرات. النمو، التشغيل، الاستثمار، الصادرات، حركة النقل كفاءة الطاقة… هذه هي اللغة التي يجب أن نستمع إليها. فالدول لا تدار بالعواطف وإنما بالبيانات ..
أول ما تقوله الأرقام هو أن البنية التحتية لم تعد عبئا مؤجلا بل أصبحت أداة إنتاج. شبكة الطرق التي امتدت آلاف الكيلومترات لم تكن مجرد أسفلت جديد بل خفضت زمن النقل وتكلفته وربطت مناطق كانت خارج الخريطة الاقتصادية بسوق أوسع. في عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات يصبح عامل الجاهزية اللوجستية عنصرا حاسما في قرار المستثمر. الطرق والموانئ والمناطق الصناعية ليست رفاهية بل شرط دخول المنافسة ..
ثم يأتي قطاع الطاقة الذي انتقل من أزمة انقطاع إلى فائض إنتاج. هذا التحول لم يكن تفصيلا عابرا فالطاقة المستقرة تعني مصنعا يعمل دون توقف وتعني تكلفة يمكن التنبؤ بها وتعني بيئة استثمارية أكثر ثقة. حين تتوافر الكهرباء والغاز تتراجع المخاطر التشغيلية وترتفع جاذبية السوق .. وفي ملف الإسكان والمدن الجديدة تبدو الصورة أكثر تعقيدا. نعم هناك مدن ارتفعت من الرمال إلى عمران كامل. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم مدينة بُنيت؟ بل: كم نشاطا اقتصاديا استوعبت؟ المدن الذكية ليست مباني حديثة فحسب بل فرص عمل وخدمات ونشاطا تجاريا مستداما. نجاح التجربة يقاس بقدرتها على خلق حياة اقتصادية نابضة لا بمجرد اكتمال الشكل الهندسي ..
الأرقام كذلك تشير إلى توسع في الاستثمارات العامة خلال سنوات التحدي في وقت كانت فيه المنطقة تعيش اضطرابات ممتدة والعالم يواجه أزمات متلاحقة من جائحة إلى صدمات سلاسل الإمداد ثم توترات جيوسياسية. في مثل هذه الظروف اختارت الدولة أن تبقي عجلة الإنفاق الرأسمالي دائرة باعتباره أداة تحفيز للاقتصاد وتوليدًا لفرص العمل ورسالة ثقة في المستقبل .. لكن الأرقام لا تكتفي بإبراز الإيجابيات فهي تفرض أيضا أسئلة مشروعة. ارتفاع مستويات الدين وضغوط التضخم وتحديات سعر الصرف كلها مؤشرات تذكر بأن كلفة التحرك السريع ليست بسيطة. هنا يصبح التحدي هو تحقيق التوازن: كيف نحافظ على وتيرة التنمية دون أن تتراكم الأعباء المالية بما يفوق قدرة الاقتصاد على التحمل؟
القراءة المتأنية تكشف أن المرحلة الحالية تختلف عن مرحلة التأسيس. في السنوات الأولى كان التركيز على البناء السريع وإغلاق فجوات مزمنة في البنية التحتية. أما الآن فالرهان ينتقل إلى تعظيم العائد. أي تحويل ما تم بناؤه إلى إنتاج حقيقي، وصادرات، وقيمة مضافة. الطرق يجب أن تخدم صناعة تنافسية. والموانئ يجب أن تتحول إلى مراكز لوجستية إقليمية. والمدن الجديدة يجب أن تصبح منصات استثمارية لا مجرد توسع عمراني ..
ثمة مؤشر مهم أيضا يتعلق بتغير خريطة الاستثمار. فمع تحسن البنية الأساسية بدأت قطاعات جديدة تجد مساحة للنمو من الصناعات الهندسية إلى تكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية. هذه التحولات لا تحدث فجأة لكنها تتراكم تدريجيا. الاقتصاد يشبه الكائن الحي يحتاج إلى بنية عظمية قوية قبل أن يركض ..
اللافت أن جزءا من الجدل حول المشروعات القومية لم يكن اقتصاديا خالصا بل إدراكيا. المواطن الذي يواجه ضغوطا معيشية مباشرة قد لا يرى فورًا أثر طريق جديد أو ميناء مطور. هنا تظهر فجوة بين الرقم الكلي والشعور الفردي. معالجة هذه الفجوة لا تكون بالدفاع الخطابي بل بربط التنمية الكبرى بتحسين ملموس في حياة الناس: وظائف أفضل، دخول أعلى، وخدمات أكثر جودة.
في النهاية تقول الأرقام إن مصر اختارت مسار البناء في زمن لم يكن سهلا. هذا المسار حقق تحسنا في مؤشرات الجاهزية والبنية الأساسية وخلق قدرة أكبر على استيعاب الاستثمارات. لكنه في الوقت ذاته وضع الاقتصاد أمام مسؤولية جديدة: إدارة الثمار بكفاءة، وضبط الأولويات، وتوسيع دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في المرحلة المقبلة ..
المشروعات القومية ليست هدفا في ذاتها بل وسيلة. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مصانع تعمل وصادرات ترتفع وفرص حقيقية للشباب. بعد سنوات التنفيذ لم يعد السؤال: لماذا بنينا؟ بل أصبح: كيف نستثمر ما بنيناه ؟ الأرقام إذن لا تمنح شهادة نجاح مطلقة ولا تصدر حكما بالإدانة. إنها ترسم صورة مركبة: إنجاز في البنية وتحد في التمويل وفرصة في التعظيم. وبين هذه الثلاثية يتحدد مستقبل التجربة الاقتصاد لا يعرف المجاملات. يعرف فقط الكفاءة والاستدامة. والمرحلة القادمة ستكون امتحان القدرة على الانتقال من مرحلة التشييد إلى مرحلة العائد. هناك فقط ستتكلم الأرقام بصوت أعلى… وسيكون الحكم أدق.



