كلام رجالةكلمتها

«البلابيصا».. أيقونة مصرية بين العقيدة والفلكلور

سمر مرسي

في فلسفة الشخصية المصرية، لا يمر طقس عابرًا دون أن يطبع الشعب عليه بصمته الخاصة، وهو ما يتجلى بوضوح في ظاهرة «البلابيصا». هذا الفانوس الشعبي الذي وُلد من رحم شتاء يناير، ليس مجرد أداة للإضاءة، بل هو حوار فريد تديره الروح المصرية بين لغة الأجداد وطبيعة الأرض، ليصبح صكّ هوية يربط الموروث الشعبي بلحظات التجدد والنور.

تُعد «البلابيصا» واحدة من أبهى مفردات الفلكلور المصري، حيث تمزج بذكاء فطري بين العقيدة الدينية والروح الشعبية. فهي ليست مجرد فانوس تقليدي، بل أيقونة لليلة «عيد الغطاس»، تحتفي بالنور والبهجة في قلب شتاء يناير، وتستحضر موروثًا يمتد لقرون.

تتعدد القراءات الأنثروبولوجية حول أصل كلمة «البلابيصا»، إلا أنها في جوهرها تضرب بجذورها في عمق الهوية المصرية القديمة، ولها الكثير من الأصول، لغويًا ورمزيًا.

وحول الأصل اللغوي يرجح الباحثون اشتقاقها من مفردات مصرية قديمة (قبطية وهيروغليفية) تشير إلى «الشموع المضيئة»، ما يجعل الكلمة بذاتها قنطرة تعبر بنا من الماضي القديم إلى الحاضر.

ومن حيث الدلالة الرمزية يرتبط الاسم في الوجدان الجمعي بمفهوم «التجرد»، في إشارة رمزية لطقوس الاغتسال والتطهر بمياه النيل التي كانت تميز هذا الفصل، وهو ما يربط الاسم مباشرة بمفهوم البدايات الجديدة والنقاء.

لا تعتمد «البلابيصا» على مادة صناعية، بل هي ابتكار ذكي من بيئة الأرض، حيث تتحول ثمار الموسم إلى رموز فلسفية عميقة؛ ففي ليلة التاسع عشر من يناير، يتحول ليل القرى والمدن المصرية إلى مهرجان شعبي، ولا يتوقف الاحتفال عند حدود المشهد البصري، بل يمتد ليصبح عقدًا اجتماعيًا؛ إذ اعتاد الأهالي نثر «الفشار والحمص» من الشرفات على الأطفال السائرين، في مشهد سينمائي يجسد قيم المحبة والمشاركة التي تميز الشخصية المصرية وتجعل من العيد مناسبة للجميع.

يرتبط ظهور «البلابيصا» بطقوس غذائية ذات دلالة؛ حيث يتصدر «القلقاس» مائدة العيد. وتأتي رمزيته الثقافية من كونه نباتًا يُدفن في باطن الأرض (الظلمة) ثم يُنظف بالماء ليصبح صالحًا للاستخدام، وهو ما يراه العقل المصري محاكاة لرحلة الإنسان من الغموض إلى الوضوح، ومن القديم إلى الميلاد الجديد.

رغم الحداثة، لا تزال «البلابيصا» حية في ريف مصر وصعيدها، شاهدة على تمسك المصريين بهويتهم البصرية، وقدرتهم على خلق رسالة حب ونور من أبسط مكونات الطبيعة.

ومن المفردات التي صانتها قصائد الخال عبد الرحمن الأبنودي في قصائده جاءت هذه المفردة، حين قال: يا بلابيصا.. بلبص الجلبة، يا علي يا ابني..قوم بنا بدري.. دا السنة فاتت.. والمَرة “الزوجة” ماتت. وهو ما يؤكد أن ثقافتنا نسيج مغزول منذ فجر التاريخ حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى