كاتب ومقال

«طغيان الغوغاء»

سمر مرسي

• حينما يسلم العقل زمامه لـ عراب الغوغاء

في عالم بات يُقاس فيه الحق بعدد «الإعجابات» وتُوزن فيه الحقيقة بمقدار الضجيج، تبرز ظاهرة «الإمعات» كقوة ضاربة لا تملك من أمرها رشدًا ، لكنها تملك في كفتها ثقل الموازين. إنهم أولئك الذين استبدلوا ببوصلة العقل صدى الأصوات العالية، وظنوا أن الحقيقة تُكتسب بالعدّ لا بالبينة. نحن لا نتحدث هنا عن نقص في الإدراك فحسب، بل عن «استقالة اختيارية» من إنسانية التفكير، وانصهار كامل في هوية الجماعة العمياء، وتسليم زمام العقل لعرابي الغوغاء.

• فلسفة القطيع.. ووهم المعرفة

إن الإمعة ليس مجرد تابع، بل هو وقود المحركات التي تحرك الشارع في الاتجاه الخاطئ. تكمن خطورته في كونه مخزون بشري قابلاً للاشتعال بالعاطفة، وعصيًا على الانطفاء بالمنطق.

يدّعي الإمعة الدراية المطلقة، متدثرًا بعباءة الجهل المركب؛ فهو لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم. هذا الجهل الشجاع يجعله يروج للأكاذيب بقداسة، طالما أنها تدغدغ مشاعره أو ترضي سادته.

• سُلطة السرب

ستجد أن الإمعة لا يجرؤ على الطيران منفردًا، وذلك لأن الوعي الفردي يرهقه، والمسؤولية الأخلاقية تخيفه؛ لذا يختبئ خلف «نحن» الجماعية. في الزحام، تذوب الضمائر، ويصبح الضجيج بديلاً عن الحجة، والحماسة المفرطة درعًا ضد البرهان.

حين تضع الحقيقة المرّة أمام عاطفة جياشة، يختار الإمعة العاطفة بكل طواعية. بالنسبة له، الصدق المسند بالأدلة هو «عدو مفسد للمتعة»، أما الكذب المنمق فهو «حقيقة مريحة» تسكن روعه وتمنحه شعور زائف بالانتماء والانتصار.

• عراب الغوغاء ونهاية الطريق

إن المأساة الحقيقية لا تكمن في جهل هؤلاء، بل في قدرة هذا الجهل على توجيه دفة المجتمعات. إنهم يسيرون خلف «ذلك العراب» (ذلك الكبش الذي يقود القطيع بجرسه الصاخب)، يظنون أن صوت الجرس هو بشارة الخلاص، بينما هو في الحقيقة نعيٌ صامت لوعيهم.

إن الشعوب والجماعات التي تسمح لـ «الإمعات» بصياغة مزاجها العام، هي شعوب تختار الانتحار الجماعي بوعي مغيب. فالحقيقة لا تخضع للتصويت، والكرامة لا تُباع في أسواق التبعية.
في نهاية الأمر، سيبقى العقل وحده هو المنارة، مهما تعالت أمواج الضجيج، ومهما تضاعف عدد الذين آثروا الركض نحو حتفهم وهم يصفقون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى