كاتب ومقال

البديل الأمن

بقلم: د. محمود علام

أحياناً يطول بنا التعب حتى نعتاد العتمة، وننسى كيف يبدو ملمس الضوء على أرواحنا. نجد أنفسنا معلقين في منتصف المسافة؛ لا نملك طاقة للرجوع إلى الوراء، ولا نجرؤ على الهروب إلى الأمام. نتحول بمرور الوقت إلى أجساد تمارس الصمود الآلي فقط كي تبقى على قيد الحياة، نحرك أيامنا بوقود الخوف من المجهول، ونتسلل إلى قناعة زائفة بأن العيب في الحب ذاته، وأن المشاعر العميقة لم تُخلق إلا لتكون مصيدة للوجع.
لكن الحقيقة النفسية الأكثر عمقاً، والتي تنكشف لنا حين تهدأ العاصفة، هي أن الحب لم يكن يوماً هو الجاني، ولا المشاعر هي ما يكسرنا. الخلل كله كان في أننا سكبنا أثمن ما نملك في أوعية مثقوبة، وقدمنا سخاء أرواحنا لمن يجهل القيمة ولا يستشعر ثقل ما يُعطى له.
ثم فجأة، وبترتيب إلهي خفي لم يكن يوماً ضمن حساباتك ولا في أولوية مخططاتك، يباغتك اهتمام صادق، وكأن ليلك الطويل قد أُذن له أخيراً بفجرٍ جديد يضيء عتمة السنين. والغريب أن هذا النور لا يجلب معه السكينة فوراً كما نتخيل، بل يولد في البداية خوفاً أعتى وقلقاً أشد؛ فالقلب الذي اعتاد الخيبة يرتاب من كل يد تمتد إليه، ويسأل نفسه برعب: هل هذا فجر حقيقي، أم مجرد فخ جديد منصوب لإسقاط ما تبقى مني؟ لكن رغم هذا الخوف، يظل احتياجك الفطري للحرية، للتنفس، ولأن تعيش إنساناً مكفول الكرامة بمشاعرك كما خلقك الله، هو المحرك الأقوى الذي يجعلك تتخطى حذرك وتبدأ في استنشاق الحياة من جديد.
وهنا يكمن التحول النفسي الأعظم؛

وينعكس هذا الأمان على الرجل بطريقة يعيد بها ترميم هيبته ووجوده المسلوب. فالرجل المستنزَف عاطفياً عادةً ما ينكفئ على ذاته، ينسحب إلى صمته، ويرتدي درعاً جمادياً خشناً ليحمي أحشاءه من انكسارٍ جديد. وحين يلمس الأمان الحقيقي، يحدث له ما يشبه البعث العاطفي؛ يرفع عن كاهله وهم “التقصير الدائم”، ويتنفس الصعداء وهو يرى أن عطاءه القديم لم يكن طيشاً بل كان فقط في العنوان الخطأ. يسترد ثقته بتأثيره ووجوده، ويتحول من موقف الدفاع والهرب إلى الرغبة في البناء واستعادة قيمته كرجل يُرى ويُقدّر دون شرط أو صراع.

أما على المرأة، فإن الأمان يلمس عمق فطرتها ليعيد إليها السكينة التي بعثرها الجهد المتواصل. المرأة التي أنهكها الاستنزاف تعيش حالة من التحفز والحذر الدائم، تتوقع الغدر خلف كل كلمة طيبة، وترتاب من كل اهتمام لأنها اعتادت أن تدفع الثمن من كرامتها وراحتها. وحين يأتيها هذا البديل الآمن، فإنه يفكك يقظتها الشديدة ودروعها الصلبة؛ تشعر لأول مرة بأنها غير مطالبة بالمثالية كي تُحب، وأن بإمكانها أن تطمئن دون أن تخشى الوقوع. يعيد إليها الشعور بالاستحقاق، أن تُسمع دون تبرير، وأن تُرى في ضعفها قبل قوتها، فتتخلى عن قسوتها المصنوعة لتعود ناعمة، آمنة، ومطمئنة كما وُلدت.
إن الأمان لا يمحو الماضي، لكنه يمنحك الشجاعة كي لا تدع الوجع يكتب بقية قصتك، لتدرك في النهاية أن الحياة لا تبدأ عندما تنجو من الحرب، بل عندما تجد الأمان الذي يجعلك لا تحتاج للقتال مجدداً.

فالعتمة ليست هي التي تكسرنا، بل طول البقاء فيها ظناً أنها السقف الوحيد للممكن.. والأمان ليس أن تخلو الحياة من الخوف، بل أن تجد اليد التي تجعل الخوف مجرد وهمٍ يذوب عند الفجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى