كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| استعادة الهدوء في عصر الزحام الرقمي

بقلم: شحاتة زكريا

تعتاد نشرات الأخبار وتقارير المؤسسات المالية أن تخبرنا بالأمر بلغة النسب المئوية تحدثنا عن معدلات التضخم ومنحنيات الركود، وسلاسل الإمداد، وتضع ما يمر به الناس في جداول بيانية باردة لا تحمل نبضا ولا تروي تفاصيل الوجوه. غير أن الحقيقة في شوارعنا وبيوتنا تكتب بحبر آخر تماما. الأزمة في عمقها لم تعد مجرد ارتفاع في فاتورة الكهرباء أو قفزة في أسعار الوقود والغذاء فهذه أمور اعتاد الناس مواجهتها بالصبر والتدبير والتحايل اليومي الشريف. المشكلة الأخطر والأبعد أثرا هي أن وطأة هذا الغلاء بدأت تتسلل إلى مناطق لم تكن تخضع للمال متوغلة بهدوء في نسيج العلاقات الإنسانية، وخيارات الشباب، وأحلام الأسر، وطريقتنا في رؤية الغد والتعامل مع الأيام.. لقد تراجع السؤال الفطري الذي بنى عليه الإنسان اختياراته لقرون: ماذا أريد؟ أو ما الذي يُسعدني وينفعني؟ ليحل محله سؤال واحد يسبق كل خطوة: هل نملك ثمن التبعات؟. هذا التبدل البطيء في نمط التفكير هو ما يسرق من العمر بهجته إذ يدخل الحساب الرياضي الصارم طرفا ثالثا في كل مشهد إنساني بسيط. يدخل قبل أن يقرر شاب أن يتقدم لخطبة فتاة وقبل أن تختار أمّ لأبنائها مدرسة تعلمهم وتصقل أرواحهم وقبل أن يقدم موظف على تغيير مساره المهني بحثا عن شغف أهدره وحتى قبل أن تفكر عائلة منهكة في اقتطاع يومين للبحر أو لزيارة الأهل في المحافظات البعيدة.
ليس السبب وراء هذا الانكماش أن الناس باتت شحيحة أو بخيلة على نفسها بل لأن هامش الخطأ أضحى منعدما. في أزمنة سابقة كان في مقدور المرء أن يجرب ويفشل وأن ينفق ويدرك لاحقا أنه أخطأ ثم يعاود التصحيح دون أن تنهار أركان البيت كانت الحياة مرنة تتسع للعثرات والبدايات الجديدة. أما اليوم فالتعثر في خطوة مالية واحدة قد يجر وراءه شهورا من القلق وقد يسلب الأسرة استقرارها النفسي لفترة طويلة ولذلك أصبح الجميع يتحركون بحذر مفرط يشبه السير في حقل ألغام والحذر حين يطول يقتل العفوية ويجعل الروح عجوزا قبل أوانها من هنا يبدأ السلوك البشري في التحول التدريجي إلى ما يمكن تسميته بـسياسة التأجيل المستمر. نؤجل ما نعتقد أنه يحتمل الانتظار من دون أن ندرك أن العمر نفسه لا ينتظر. زيارة الطبيب تصبح موقوفة على موعد الراتب القادم وشراء كتاب أو ملابس جديدة يصبح ترفا معلقا بتحسن الظروف وتجديد أثاث تالف يظل في ذيل الأولويات لسنوات وحتى قرار الإنجاب يخضع لجدول توازنات معقد لا علاقة له بفطرة الأبوة والأمومة. والخطورة هنا كامنة في أننا إذا اعتدنا تأجيل الحياة بحثا عن التوقيت الآمن فسنصل حتما إلى يوم نكتشف فيه أن قطار السنوات مضى مسرعا وأن الأشياء التي أرجأناها لم تعد صالحة للاستهلاك فالبهجة لها تاريخ صلاحية وضحكة الأبناء مع آبائهم في الصغر لا تعوضها ملايين الدنيا إن كبروا وضاقت بينهم المسافات ولعل من الإنصاف ونحن نقرأ هذا الواقع المعقد ألا نلقي باللائمة كلها على كاهل الأسعار وحدها. ثمة شريك آخر ساهم في تعميق الأزمة وصنع هذا الشعور الطاغي بالفقر النفسي إنه ثقافة المقارنة الدائمة التي فُرضت علينا عبر الهواتف والشاشات. لقد فتحت الأبواب على مصاريعها ليرى الناس نتائج حيوات الآخرين مجردة من فواتيرها وسياقاتها يرى الشاب سيارة فارهة أو رحلة باذخة فلا يرى كم من التنازلات أو الديون أو ساعات العمل الشاقة دُفعت وراء الكواليس للوصول إليها. الشاشات تبيع الوهم وتصنع معايير مصطنعة لما يجب أن يكون عليه النجاح فتحول البيت المتواضع الدافئ في نظر أصحابه إلى عيب والرضا بالقليل إلى ضعف وجعلت قطاعا عريضا من الناس يلهث خلف متطلبات مظهرية لا يحتاجها فقط لكي لا يبدو متأخرا في مضمار سباق لم يختر أصلا خوضه.
لهذا كله بات لزاما علينا استعادة المفهوم النبيل لمعنى الكفاية الكفاية ليست دعوة للتكاسل ولا هي مديح ساذج للفقر فالفقر لم يكن يوما فضيلة الكفاية هي إدراك الحد الفاصل بين الاحتياج الحقيقي الذي يصون كرامة الإنسان وبين الرغبة المستعارة التي غذتها إعلانات لا ترحم ومقارنات لا تنتهي. الكفاية هي أن يدرك رب الأسرة أن التباهي بما لا يملك ليس بطولة وأن التخلي عن الكماليات الاستعراضية ليس هزيمة وأن راحة البال داخل الجدران الأربعة أثمن ألف مرة من مظهر براق يكلف صاحبه سهر الليالي في سداد أقساطه لكن في المقابل وبنفس درجة الوضوح يجب ألا يُفهم هذا الطرح على أنه مواعظ سهلة تُلقى من أبراج عاجية على مسامع أناس يطحنهم السعي من مطلع الفجر إلى غسق الليل. الناس لا تبحث عن نصائح بالزهد ولا تنتظر كلاما محفوظا عن الصبر فالأب الذي يقف عاجزا أمام مصروفات دراسة ابنه النابغ والموظف الذي تآكل راتبه ولم يعد يغطي الحد الأدنى من الدواء والشاب الذي تعثرت خطبته لعجزه عن تجهيز شقة بسيطة كل هؤلاء لا يحتاجون وعظا بل يحتاجون إلى واقع اقتصادي واجتماعي يتسم بالرحمة يحتاجون إلى منظومات للتعليم والرعاية الصحية والنقل العام تخفف عنهم وطأة العبء وتتيح لهم أن يقفوا على أقدامهم لا أن يقضوا عمرهم في وضع الدفاع المستميت ضد متطلبات الحياة اليومية فالاقتصاد الحقيقي في جوهره ليس أرقاما صامتة تتلى في المؤتمرات بل هو أداة وظيفتها صيانة كرامة الإنسان وتوسيع خياراته. وراء كل رقم عائلة تكافح وخلف كل زيادة سعرية حلم يتراجع خطوة إلى الوراء. وإذا كان التدبير مطلوبا والوعي بالإنفاق ضرورة حتمية.فإن الهدف الأسمى الذي يجب أن نعمل من أجله جميعا هو ألا تتحول مجتمعاتنا إلى مجرد كتل بشرية تصارع يوميا من أجل البقاء البيولوجي وتنسى كيف تعيش.
إن الرفاهية الحقيقية في هذا العصر لم تعد في امتلاك الفائض بل في قدرة الإنسان على أن يقتنص لنفسه مساحة حرة لا تلوثها الحسابات ولا يحكمها ميزان الربح والخسارة مساحة يستطيع فيها أن يتبادل حديثا دافئا مع رفيق دربه دون استعجال وأن يضحك مع صغاره ملء شدقيه دون أن يفكر في تكلفة وجبة الغد وأن يحلم لمجرد الحلم دون أن تقطع خياله عبارة: كم سيكلفنا هذا؟. فالحياة التي تختصر كلها في كيفية الوصول إلى آخر الشهر هي رحلة شاقة إلى المجهول والإنسان لم يُخلق ليكون آلة لتسديد الالتزامات بل خلق ليعمل وينتج ويعمر الأرض والأهم من ذلك كله.. أن يعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى