
لم يستطع منع نفسه من الانتظار مدة أطول دون لقاء، لم تعد أحاديثهما الإلكترونية مرضية لما حمله قلبه من مشاعر حب ولهفة، تلك هي مرته الأولى في الوقوع في حب شخص لم يقابله ولا مرة من قبل، قصة في منتهى الغرابة جمعت بينهما وخلال أقل من نصف يوم تحول كل شيء لجديد لم يعرفوه من قبل، لا يَذكر من بدأ منهما في التصريح، هل بدأ هو بالتلميح أم بادرت هي بفتح الباب والترحاب،
فقط انزلقا بسرعة فائقة في مشاعر لا تُصنع إلا بعد سنوات من المعرفة، لكن حدث الانزلاق ونطقت الألسنة الاعترافات الصادقة وتم إعلان بداية حبهم وارتباطهم،
جمعتهما الساعات الطوال في أحاديث لا تنتهي وضحكات تخرج من قلبيهما بسهولة وانسياب، كلاهما في حاجة لتلك المشاعر، كلاهما عائد للتو من معارك خاسرة وقلب محطم،
ومن لم يجرب الحب بعد خدلان، لا يعرف معنى الحب الجارف الذي يشبه الإعصار، يقتلع صاحبه ويُلقي به في بئر عميق بلا نهاية من اللهفة والأمنيات،
نطقها وطلب منها سرعة اللقاء، لم يفكرا في غرابة الموعد بعد أن حددا الثانية صباحًا للقائهم، لا شيء يهم سوى الخروج من عالم الشاشة والمحادثات، لعالم الواقع والرؤية والشعور،
فعلها لأول مرة ووضع مشط في درج سيارته ليضمن تهذيب شعره مرة واثنان وثلاث قبل أن تراه، نثر العطر فوق عنقه وملابسه أكثر من مرة وبعد كل مرة يظن أن عطره غير محسوس وأصابه مرض سرعة التطاير، ارتبك وتوتر وجاهد نفسه بتصميم أن يبدو هادئًا وواثقًا بنفسه،
لم تختلف هي عنه في كثير، دون ادراك هرولت لحمامها الخاص وحرصت على تهيئة نفسها وجسدها وكأنها بانتظار حفل عُرسها وليس مجرد لقاء عابر سريع حدوده سيارة حبيبها في شارع تتكرر فيه حركة المارين دون إنتظام، احتارت في إختيار ملابسها، إختارت في البداية ملابس تُعلن عن انوثتها، ثم تراجعت وهي تتذكر أنه يغير عليها بجنون وقد ينهال عليها بعبارات الرفض الغاضبة والمستنكرة لمظهرها،
احتارت مرة واثنان ثم انتقت ملابس مناسبة لا تُخفي جمالها وايضا لا تؤكد أنوثتها،
لم يروا بعض إلا من خلال الصور الفوتوغرافية، مجرد صور لا تنقل الحقيقة بدقة واتقان.. هل هو أنحف من الصور؟
هل هو أطول منها بشكل لافت وملحوظ؟
هل هو أوسم من علي، زوجها الراحل؟
هل جسده يبدو أقوى من شادي حبيبها الأخير وصاحب الطعنة التي أدمت قلبها بالغدر والخذلان؟
عشرات الأسئلة حاصرت عقلها وهي تقف بجسد به رعشة خفية تنتظر وصوله،
ظهرت سيارته القديمة وقد بدت رقيقة الحال تنم عن وضعه المالي المتعثر وما أصابه من ضرر بعد تجارب لم يجن منها شيء غير الخسارة والإحباط،
فور رؤية سيارته اضطربت مشاعرها وزفرت بتحد لضمان ثبات انفعالها واخفاء توترها من اللقاء، دلفت داخل سيارته وتقابلت أعينهم وتلامست أيديهم الباردة من الخجل والدهشة واتسعت ابتسامتهما قبل أن ينطلق بسيارته كمن يهرب من المكان قبل أن يلحظهم أحد،
تحدثا بطريقة طفولية فقط من أجل شغل الوقت وكل منهما يتفحص الآخر بشيء من ال الإنبهار، وجدها أجمل بكثير من صورها، كثيرًا ما تظلمنا عدسة الكاميرا و تُخفي حقيقة ملامحنا، وجهها مضيء وابتسامتها واسعة وصوتها به رجفة ربانية تزيدها سحر ودلال، من اللحظة الأولى أدرك أنها أجمل من كل من وقع في هواهم من قبل، تحقيقًا لقاعدة القضمة الأخيرة غالبًا تكون الأجمل والألذ، لها سحر خاص سبقها في ركوب سيارته قبل جسدها، ودون أن تفعل شيء يذكر يطغى وجودها على كل شيء آخر وتفرض سطوتها على الأماكن والأشخاص،
تأملته بحرية الجالس بعيدًا عن عجلة القيادة، وقد بدا لها من الزاوية الجانبية أنحف وأرفع مما توقعت ومما رسمت في خيالها، دون إرادتها وضعته على ميزان علي وشادي،
شادي الذي عاملها طوال الوقت على أنها مجرد امرأة فراش ومجرد جسد لإشباع رغبته، ومع ذلك رجحت كفته، شادي جسده أعرض، سيارته أكبر وأغلى، لا يعرف الهدوء والرومانسية، وقاحته وفجاجته كانت تُخرج النسخة اللعوب من داخلها في لحظات،
الفارق بينهم جلي وواضح، الجالس بجوارها أقل وقاحةً وأقل مجونًا، قد تكون تلك هي طبيعته، وقد تكون مجرد حالة جديدة هذبت روحه ومشاعره بفضل صدق عاطفته نحوها،
لا تعرف بالتحديد لكنها شعرت بالفارق الواضح بينهم، لو أن شادي مكانه الآن في هذا اللقاء وهذا التوقيت لما تردد لحظة في سرعة مسك خصرها أو صدرها ودون استئذانها كان سيهرول على مكان يُتيح لهم سرعة التخلص من ملابسهما والإنقضاض عليها والتهام انوثتها بكل الاشكال،
قتلتها الحيرة وأنهكتها المقارنة وهي غضبًا من شادي تحاول إجبار عقلها على الصياح والإعلان أن حبيبها الجديد أفضل وأحلى،
لمس يدها وهو يخشى أن ترفض أو تظنه مجرد لاهث خلف شهوته، مجرد ثانيتان ثم ابتعد وتوقف بالسيارة في ركن هادئ وأدار جسده ناحيتها لضمان كمال الرؤية، الخجل أحيانًا يصنع ابتساماتنا رغمًا عنا لدرجة تجعلنا نبدو بلهاء،
همست متسائلة،
– عجبتك؟
حدق في عينيها بقوة وغرام ورد الهمس بصوت صادق رخيم،
– أنتِ حلوة أوي.. حلوة بطريقة أكبر من تخيلاتي
شادي لم يكن يخجل، وعلي لم يكن الخجل من الأساس من ضمن حساباته، الجالس بجوارها من شدة خجله وحرصه على تهدئتها وإقناعها بطهر مشاعره، بدا صغيرًا في مقتبل عمره رغم اعوجاج أسنانه واحتلال اللون الفضي شعر رأسه،
تحدثا في اللاشيء وكل منهما بداخل رأسه حديثًا مختلف، معركة المقارنات لا يخرج منها أحد سليم، يقارن بينها وبين أخريات جلسوا مكانها من قبل ولكن لم يكن يحمل نفس الخجل والارتباك،
همست له بدلال،
– أنت أحلى بكتير من الصور
– وأنتتِ أحلى من كل حاجة ووصفك لنفسك كان بيظلمك.. أنا حاسس إني مسحور
المرة الأولى التي يغامر فيها ويُعلن حبه وهو في أسوأ حالاته، وثقته بنفسه أقل من ثقة صغار الدجاج عند ظنهم امتلاك القدرة على التحليق والطيران،
وجه شادي يطغى على ملامحه، ثم يختفي ويحل محله وجه علي، ثم عدة وجوه لرجال سبقوا وطلبوا ودها والقرب منها،
ترمومتر مشاعرها في حالة ثورة وجنون، يرتفع وينخفض، يعدو ويتوقف، لا شعور ثابت ولا قرار نهائي، قبّل يدها قبلة سريعة وهو يعتذر كمن سرق خزانة دار أيتام، وبرغم الذئب بداخله إلا أنه تعامل مع لقائهم بأخلاق الفرسان، مُحمّل بخطايا الماضي ولا يريد أو يرغب في تكرارها، حارب شهوة الجسد بضراوة وانتصرت رغبته في عذرية ونقاء اللقاء،
حرب خاضها وحده وهو لا يعلم شيء يذكر عن حرب المقارنة بداخل عقلها،
عقلها الذي يخبرها لحظة أن حبيبها الجديد سيصبح الأفضل في القريب، ثم يُخيفها ويخبرها أن ذلك لن يحدث ولن تجد بين يديها سوى نحافته وعظم وجهه البارز كبروز حنجرته صانعة صوته الرخيم،
صور شادي وعلي وباقي الذكور تظهر وتختفي حولها فوق زجاج السيارة وهي مصممة أن تُجبر عقلها أن تمحو كل الماضي القديم وترضى وتقبل بالحاضر حتى وإن كان غير مضمون السيطرة والنجاح،
همس لها يريد تقبيلها، أحمق من فرط خجله نسى أن القبلات لا يسبقها استئذان، إعلانه لنيته جعلها لا تقبل وتُعلن موافقتها رغم لهفتها المُلحة لمعرفة الفرق بين مذاق وحرارة قبلته وقبلة شادي وعلي،
لقاء بلا حدث يثبت في ذاكرة أحدهما، لكنه كان ضروريًا للخروج من ضيق الأحاديث خلف وميض شاشات هواتفهم،
اقتربت الساعة من الثالثة والنصف صباحًا لتقرر النزول من سيارته والتلويح له مودعة وهي تهرول مبتعدة بشيء من البهجة والخجل وتعرف أنه بلا شك نال فرصته الأخيرة في التحديق في جسدها أثناء حركتها بعد انتهاء اللقاء وبداخله رغبة قوية مُلحة أن يعرف نتيجة لقاءهم ومن انتصر في النهاية، النحيف صاحب الشعر الفضي أم أصحاب الصور المتداخلة فوق زجاج سيارته، لكنهما بلا شك قررا دون إفصاح أن يتكرر اللقاء حتى وإن كان في الثانية صباحًا.




