رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| تحالفات الموانئ والممرات.. من يرسم خطوط التجارة في الشرق الأوسط؟

في صمت استراتيجي وبعيدا عن الضجيج تُعاد اليوم صياغة خريطة التجارة الدولية انطلاقا من الشرق الأوسط. فالموانئ لم تعد مجرد أرصفة لرسو السفن بل تحوّلت إلى أدوات سياسية وأذرع جيوسياسية تُحرّك التوازنات وتُعيد تشكيل النفوذ في زمن التحوّلات الاقتصادية الكبرى. والممرات المائية – من قناة السويس إلى باب المندب ومضيق هرمز – باتت نقاط ارتكاز لحرب باردة جديدة عنوانها: من يرسم خط المرور يملك حق العبور.
تعيش المنطقة سباقا محموما على النفوذ البحري والبري عبر ممرات وموانئ ومناطق لوجستية، لا تدور فقط حول التجارة بل حول السيطرة والتحكم في شرايين الاقتصاد العالمي. من هنا نفهم التحركات المتسارعة لتوقيع اتفاقيات تشغيل وتطوير موانئ، وربطها بممرات سريعة ومناطق حرة وأنظمة مالية بديلة ، تُمهد لتحالفات تتجاوز فكرة الربح إلى منطق “إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة الاقتصادية”.
ومصر بما تملكه من موقع فريد بين البحرين وقلب القارات الثلاث تدرك هذا التحول بوعي مبكر وتتحرك بخطوات محسوبة لتعزيز دورها كعقدة مركزية في شبكة التجارة العالمية. لم تعد قناة السويس مجرد ممر ملاحي بل أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية شاملة ، تضم المنطقة الاقتصادية بشرق بورسعيد والسخنة وتحالفات مع كبرى القوى الآسيوية ومشاريع لوجستية عملاقة تُعيد صياغة دور مصر كمركز إقليمي للطاقة والتجارة والصناعة.
ما تفعله مصر الآن هو انتقال من مرحلة “التحكم في الممر” إلى “المشاركة في المعادلة”. فالتحالف مع الهند لتأسيس ممر اقتصادي من الهند إلى أوروبا عبر الخليج ومصر والمشاركة في مشروعات الربط اللوجستي مع القارة الإفريقية والتوسع في الشراكات مع الصين وروسيا وأوروبا ، ليست مجرد تحركات تجارية بل تعبير عن إرادة استقلالية وواقعية سياسية ترى في الاقتصاد وسيلة للنفوذ لا مجرد أداة للنمو.
في المقابل تتحرك دول إقليمية أخرى لتأسيس تحالفات بديلة تسعى للسيطرة على موانئ ومناطق نفوذ في القرن الإفريقي والخليج بل وتسعى لإنشاء ممرات منافسة تمر من خارج قناة السويس رغم افتقادها للأهلية الجغرافية أو الاستقرار السياسي. ومع ذلك فإن هذه المحاولات – وعلى رأسها الاتفاق الإثيوبي مع إقليم “أرض الصومال” للحصول على منفذ بحري – تعكس بوضوح طبيعة الصراع الجديد حيث الموانئ أصبحت جبهات مفتوحة والممرات ميادين صراع.
لكن ما يُحسب لمصر في هذا السياق هو إدارتها المتوازنة للملف. فهي لا تُناطح أحدا ولا تدخل سباقات صدامية بل ترد بالحقائق ، وتُحسن استخدام أدواتها وتعزّز قدراتها الناعمة وتفتح شراكات واقعية طويلة الأمد ، قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي ، لا على ابتزاز الجغرافيا.
إن الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق جديد لا يُحسم بالسلاح أو الشعارات بل بالعقل الاستراتيجي والاستثمار الذكي في الجغرافيا. ومن يملك القرار السيادي ويُدير موارده بعقل بارد يستطيع أن يُحدد موقعه على الخريطة الجديدة.
ومصر بخطواتها الهادئة والمركّبة تُراكم أوراق القوة من حيث يظن الآخرون أنها مُنشغلة بملفات داخلية فقط. لكنها في الواقع تُعيد رسم دورها التاريخي ليس فقط كممر بل كمحور. لأن الموانئ والممرات لا تكفي إذا لم يكن من يملكها يملك القرار.



