فنان فلسطيني يحرق لوحاته.. هل ينتبه العالم؟

بجسد أنهكه التعب وعيون لم يجف دمعها، لم يجد الفنان الفلسطيني طه أبو غالي غير حرق إطارات لوحاته البديعة، في ظل ندرة الوقود ومواد التدفئة، وسط صراع ممتد لقرابة العامين دون أن تنجح الأمم المتحدة ولا مؤسسات حقوق الإنسان في أن تضع له نهاية.
ما أصعب أن تضحي بأثمن ما تملك، ولكن ما أرخصه إن قايضته بالحياة، مهما بلغت قسوتها والمجرمين الذي يعملون آلتهم الوحشية ليل نهار، لعل هذا ما دفع الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني إلى التضحية بكل ما يملكون، وربما بحياتهم أنفسهم نظير شربة ماء أو عدة كيلوجرامات من الدقيق، تسد رمق عائلاتهم.
المشهد برمته أشبه بفيلم من القرون الوسطى، حينما يصارع الإنسان وحوشًا ضارية، ولكن الحياة علمتنا أنه في عالم الضواري هناك ترفع عن القتل دون مصلحة مباشرة، إما لسد الجوع أو دفع الأذى، أو في موسم التزاوج، فما الذي جعل البشر بهذا الانحطاط الذي لم يرد مثله في كتب التاريخ، اللهم إلا في قبائل من الهمج والرعاع.
ولعل المطالع لبعض فصول التاريخ، ومن يقف على بعض السرديات التي تشي بالأصول التترية المستعمرين الجدد لأرض فلسطين التاريخية، من بطالع كل هذا قد يدرك أن ما يحدث الآن ليس إلا تكرارًا لصفحات سوداء في كتب التاريخ التي لا يذكرها أجيالنا التي غيبت عن قصد أو سهوًا عن المشهد برمته، وباتوا أسيري ما يقدم إليهم من الإعلام الغربي.
مئات العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات ونخبة الامر والثقافة في فلسطين المحتلة، حصدهم الاحتلال، بكل أنواع القتل والتشريد والتصفية، ولم يكن طه أبو غالي وحرقه لوحاته حدثًا عابرًا على هامش القضية، فهناك أكثر من 65 ألف فلسطيني قضوا وأكثر من 70% من البنية التحتية قد تم تدميرها بالكامل في القطاع المحاصر، منذ أكثر من 13 عامًا.
نعم، ربما خسر طه أبو وغيره من مبدعي فلسطين جانبًا مهما من حيواتهم وأنشطتهم وإبداعاتهم، ربما خسروا مراتع الصبا وأرض الطفولة البريئة، لكن الرسالة الأعمق كسرت الطوق وقالت للعالم كله: “إننا باقون هنا.. باقون ما بقي الزعتر والزيتون” أو ربما قالت من زاوية أخرى:
بكفي أحمل الأمس وألقي.. وأمضي في طريق الغد وحدي
أهاب الغاشمين! فلا وربي.. ولست بجازع ما كان فقدي!
إن بين أيدينا رسالة إلى أجيال لم يشهدوا أوج هذه القضية، وربما لم يروا قبر شهداء الجيش المصري في فلسطين، وربما أقنعتهم آلة الاحتلال الإعلامية أنهم ضعفاء، إلى هؤلاء نقول: “لم تكن انتصاراتنا يومًا بالعدد وحده، وإن التاريخ يكرر نفسه.. وتلك الأيام نداولها بين الناس.. فاقرأوا صفحات التاريخ إذ فيها العبر.. ضاع قوم ليس يدرون الخبر”!




