كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| هي فين بس السعادة

حين نتأمل حياة الإنسان المعاصر، قد نعتقد أنه يعيش أزهى عصور الراحة والرفاهية وانه أكثر سعادة من انسان الماضي لماذا لا والتكنولوجيا تحيط به من كل جانب، الهواتف الذكية في يده، الأجهزة الكهربائية في منزله، والسيارات والطائرات تسهّل تنقله بين الأماكن البعيدة في وقت قياسي. غير أن هذا المشهد البراق يخفي وراءه سؤالًا يغفل الكثيرون عنه، هل تعني هذه الرفاهية أن إنسان اليوم حقا أكثر راحة وسعادة من إنسان الماضي، أم أن الرفاهية نفسها قد تحولت إلى عبء جديد يرهق الجسد والعقل والروح مجتمعين.

إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، سنجد أن حياة الإنسان القديم كانت أبسط كثيرا. صحيح أنه كان يفتقد إلى الكهرباء والإنترنت وأدوات الطب الحديثة ووسائل النقل والروافع وأنظمة الاتصالات والتواصل والتسلية، لكن تلك البساطة كانت تمنحه نمطًا أكثر اتساقًا مع الطبيعة وإيقاعها. كان ينام مبكرًا مع غروب الشمس، ويستيقظ مع شروقها، يعيش على غذاء طبيعي خالٍ من الإضافات الصناعية، ويتواصل مباشرة مع أسرته ومجتمعه دون وسائط افتراضية. هذا النمط، رغم قسوته أحيانًا وبطئه الواضح، كان يحقق للإنسان نوعًا من السلام الداخلي والتوازن النفسي.

أما الإنسان المعاصر، فعلى الرغم من أنه يعيش وسط وفرة لم يحلم بها من قبل، إلا أن الضغوط التي تحاصره تكاد تكون أثقل بكثير من تلك التي عرفها أجداده. فالتكنولوجيا التي صُمّمت لتوفّر له الوقت صارت تسرق منه انتباهه وطاقته. الهاتف الذي يُفترض أنه أداة تواصل، تحوّل إلى سجن صغير يحاصره بالإشعارات المتواصلة ويقطع تركيزه باستمرار. وسائل النقل السريعة جعلت العالم أصغر، لكنها في الوقت ذاته زادت من وتيرة الحياة حتى صار الإنسان يلهث خلف المواعيد والالتزامات بلا توقف، كما أصبح يتهم كثيرا بتغذية هاتفه الذكي و ساعته الذكية وتلفازه الذكي وغيرها من الأجهزة ولا يهتم بغذائه البدني او الروحي.

الأغرب من ذلك أن هذه الوفرة المادية لم تقترن دائمًا بالرضا النفسي. فبينما كان إنسان الماضي يسعى لتأمين أساسيات الحياة من مأكل ومأوى، صار إنسان الحاضر يبحث عن معنى وسط زحام الخيارات والاحتمالات. المفارقة هنا أن ندرة الماضي كانت تمنح للحياة قيمة ومعنى؛ فالطعام الذي يُزرع بجهد، أو قطعة الثياب التي تُصنع يدويًا، كان لها قيمة خاصة في وجدان الإنسان. أما اليوم، فالتكرار والاستهلاك السريع أفقد الأشياء قيمتها، وأصبح الإنسان يشعر بالفراغ رغم الوفرة.

ولعل المعاناة الكبرى تكمن في أن رفاهية العصر لم تترك للإنسان مساحة كافية للهدوء والتأمل. فالإيقاع السريع والاعتماد المفرط على الأدوات والأجهزة جعلا الإنسان يفقد صلته بأبسط لحظات الحياة مثل دفء التواصل الإنساني، متعة السير في الطبيعة، أو حتى لذة الانتظار والصبر. التكنولوجيا سرّعت كل شيء، لكنها أيضًا سلبت الإنسان القدرة على التذوق البطيء للزمن، انظر سلوكيات البشر في قوائم وطوابير الانتظار او اثناء قيادة السيارة او في أي حالة تحتاج الى بعض من الصبر والانتظار.

لذلك فمن الواضح أن امتلاك الأدوات لا يساوي بالضرورة امتلاك السعادة. فالسعادة حالة وجودية مرتبطة بالمعنى والاتزان أكثر من ارتباطها بالوفرة المادية. ربما لهذا السبب نجد نسب القلق والاكتئاب في المجتمعات الأكثر رفاهية أعلى بكثير مما هي عليه في المجتمعات البسيطة.

الخلاصة أن إنسان الحاضر لا يمكن إنكار ما يملكه من مزايا عظيمة في الطب والمعرفة وأدوات الراحة والرفاهية لكنها لا تعني بالضرورة أنه يعيش حياة أسعد من أسلافه. بل ربما يكون التحدي الأكبر لإنسان اليوم هو أن يتعلم كيف يعيش ببساطة وسط هذا التعقيد، وكيف يستعيد إنسانيته في زمن تبتلعه فيه الآلات. فالمسألة في النهاية ليست في وفرة الأدوات، بل في كيفية استخدامها بما يحقق للإنسان راحته الحقيقية وسعادته الداخلية.

“كلنا عاوزين سعادة، بس ايه هي السعادة، و لا ايه معنى السعادة، قولي يا صاحب السعادة، قولي قولي” إسماعيل ياسين.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى