كلمة ورد غطاها| الرغيف المعنوي

قال المخرج الكبير سعد أردش ذات يوم عبارة تختصر فلسفة تفسير وشرح أهمية الثقافة: “الثقافة رغيف”. ولعل هذه العبارة ليست مجرد استعارة، بل هي تلخيص عميق لطبيعة الإنسان ككائن يحتاج إلى ما يغذي جسده، وما يروي روحه وعقله في الوقت ذاته. فكما لا يستطيع المرء أن يعيش طويلاً دون طعام، فإنه لا يستطيع أن يحتمل الحياة طويلاً دون معنى، والمعنى يأتي من المعرفة، والمعرفة تأتي من الثقافة والاطلاع.
فإذا تأملنا واقع الإنسان منذ فجر التاريخ، سنجد أن الجوع لم يكن يومًا ماديًا فقط. فالبشر، حتى في أقسى ظروف الجوع والفقر، كانوا يغنون، ويرسمون على الجدران، يروون القصص حول النار. تلك الأفعال لم تكن ترفًا، بل كانت شكلاً من أشكال البقاء. حتى وإن كان في ظاهرها تسلية، إلا أنهم في الحقيقة كانوا يبحثون عن غذاءٍ معنويٍّ يُبقيهم على قيد الأمل، كما يبقيهم رغيف الخبز على قيد الحياة. وهذا ما قصده سعد أردش، أن الثقافة ليست شيئًا يُضاف إلى حياتنا بعد أن نأكل ونشرب، بل هي جزء لا يتجزأ من احتياجاتنا الأساسية.
الرغيف المادي يمنح الجسد طاقةً ليواصل الحركة، أما الرغيف المعنوي فهو الذي يمنحنا سببًا لنواصل تلك الحركة. الثقافة، بما تحمله من معرفة وفكر وفن، هي التي تعطي معنى لأفعالنا اليومية، وتحوّل الإنسان من كائن بيولوجي يعيش بالغريزة إلى كائنٍ مفكر يعيش بالقيمة. ومن هنا يمكننا أن نسأل: ماذا يحدث لمجتمعٍ يشبع جسده ويجوع عقله؟ والإجابة نجدها في مجتمعاتٍ تُنفق على الطعام أضعاف ما تُنفق على التعليم والثقافة والفنون، فتتحول مع مرور الوقت إلى كياناتٍ خاوية من الداخل، تُشبه الإنسان الذي يملأ معدته لكنه يشعر بالفراغ والخواء. فالثقافة هي الضمانة الحقيقية لسلامة العقل الجمعي، وهي السياج الذي يحمي المجتمع من السقوط في فوضى الجهل والعنف والسطحية.
وقد فهم أردش هذه الحقيقة من تجربته في المسرح. فالمسرح عنده لم يكن مجرد خشبة وأضواء، بل وسيلة لتغذية الوعي، ولطرح الأسئلة التي توقظ الإنسان من غفوته. إن تقوم الدراما بتحقيق أهدافها المتعددة من توعية، وإعلاء للقيم، والتسلية، والتسرية عن النفوس. فالثقافة، كما رآها، ليست امتيازًا للنخبة، بل ضرورة للجميع، تمامًا كما لا يُترك رغيف الخبز حكراً على فئة دون أخرى. لا يجوز أن تُحجب الثقافة عن عامة الناس، فحين يُحرم الإنسان من الرغيف المعنوي، يضعف حسه النقدي، ويبهت وعيه، ويصبح أكثر قابلية للتضليل. وهو ما نراه هذه الأيام بعد انتشار وإدمان تطبيقات التواصل الاجتماعي وما بها من تفاهات.
فبناء المجتمع القوي يحتاج إلى عقول ممتلئة بالقيمة وبالحكمة. فالعقل الجائع لا ينتج، ولا يُبدع. لذلك، فإن تنشيط الثقافة ليس ترفًا، بل استثمار في الإنسان ذاته. والمجتمع الذي يدرك أن المكتبة لا تقل أهمية عن المخبز، وأن دعم الكتاب والفنان والمبدع هو شكل من أشكال الأمن القومي.
وعندما نتحدث عن هذا الأمر، فإننا نؤكد أن القضية ليست اقتصادية، فالمنصات متاحة ومفتوحة، وإلا لما لجأ إليها أصحاب المحتوى التافه ليصدعونا كل ثانية ويشغلوا عقولنا. ولكنها نظرية ملء الفراغ؛ إن لم تملؤه بالمفيد، امتلأ بغير المفيد. ولذلك، فإن علينا جميعًا واجبًا ومسؤولية أن نستمر في رحلة التنوير عبر تلك المنصات، ولا ننتظر أن نرى ثمار ما نفعل. يكفي أن نؤمن بأنها حتمًا ستثمر، يومًا ما.




