
هل حقاً كان السيد إريك ماريا ريمارك يكتب رواية؟
لست من المتفائلين بذلك اطلاقا، فمنذ قرأتها من سنوات بعيدة وداخلي قناعة أنه لم يفعل ذلك، الحقيقة أني كنت أراه ينزعَ قناعًا عن وجهٍ مُكوّر منتفخ من غاز الخردل – لم تكن القنابل النووية قد اخترعت بعد- والتي يمكنك القياس عليها الآن في غزة، فانكشفَ وجه الحرب ماثلٌ أمامنا: شبابٌ أُرسلوا إلى المذابح والسلخانات التي تفتح أفواهها لمزيد من أجساد هؤلاء الشباب والأطفال، وهم يحملون كتبالحب والأمل والعلوم والرياضيات في جيوبهم وقلوبهم،فعادوا، أو في الحقيقة من عاد منهم، عاد بلا أطراف ولاأحلام، بل ولا أرواح أيضا.
في ستة أسابيع فقط، صيف 1927، لم يكتب ريمارك حروفًا، بل سكب دماءه على الورق؛ دماءُ جنديٍ ألماني يخرج من مرحلة المراهقة لتوه، جُرح عام 1917، وظلّت الشظايا في روحه عشر سنوات، تُؤلمهُ كلما خلد للنوم،فيستيقظ يصرخ: “لا مجدَ في الخنادق، هناك فقط رائحةُ البارود والبول والجثث”.
لماذا كتب إريك مارك ريماريا روايته؟
كتب ريمارك روايته كي لا يغفر لأحد أبدا، أراد أن يقبض على أعناق الدعاةِ والرهبان والمعلّمين والآباء، ويُمرّر وجوههم أمام جثثٍ منتفخة ممددة في رعب مطلق على الأسلاك الشائكة، مع وجوه ممتلئة بالألم والفزع، وأفواه تصرخ في صمت مطبق، بينما هو يصرخ فيهم ملتاعا “هذا هو مجدكم”.
أراد أن يُعيد إحياء “الجيل الضائع” لكن ليس في احتفالاتٍ رسمية، بل في كوابيسهم، في لحظةٍ يستيقظ فيها القارئ على صوت انفجارٍ لا يوجد إلا في رأسه.
كتبها انتقامًا وتطهيرًا؛ لأن الكتابة هي الأمر الوحيد الذي يُطفئ كوابيس الحرب وتعيد إشعالها في قارئها.، وكي يطهر جسده وروحه من آثام هذه الحرب اللعينة التي راح فيها قرابة 20 مليونا من البشر تقريبا.
شخصياته ليست شخصيات، بل أشلاءُ إنسانيةٍ تتكلم:
▪ باول بويمر(19 عاما) يدخل الحرب وهو يحمل قلب طفل، يخرج من خنادق الحرب وقد أصبح قلبه قنبلةً موقوتةً تنفجر فقط في ليالٍ هادئة.
▪ كاتشينسكي_(40 عاما) يُقسم لهم أن “في الحرب لا يُصبح الإنسان حيوانًا، بل أقلّ من حيوان؛ يصبح رقمًا”- ألا يذكرك ذلك بشكل ما الآن يمر امام عينيك على شاشات التليفزيون- ثم يموت راكعًا كأنه يُصلّي لإلهٍ لم يعرف اسمه.
▪ المعلم كانتوريك يُلقّنهم في المدرسة وفي حماس بالغ “أن الحياة الوطنية أغلى من الحياة»، فيلتقونه لاحقًا في المستشفى بلا ذراعين”، يصرخ: فيهم قائلا “لم أقل لكم ذلك”، بينما بقايا ذراعيه تتأرجحان في هواء ثقيل تعلنان عن ثمن الحرب!
▪ هيملستوس يُحصي عدد الجرذان أكثر من عددالأصدقاء، لأن الجرذان يُرسلونك إلى الموت ثم يُقيمونلك نصبًا تذكاريًا.
هذه الرواية المخادعة؟
الرسالة ليست “الحرب قاسية”، بل “الحربُ خدعةٌ كبرى “؛ خدعةٌ يُقنعونك فيها أنك تُدافع عن الوطن، بينما أنت تُدافع عن خطأ خرائطي سيتغير بعد عامين. خدعةٌ يبيعونك فيها المجدَ بالليرات، ثم يجعلونك أنت من يدفع الثمنَ بجسدك. وأعضاءك وأطرافك وروحك التي لن تستقر بعد الآن ولن تعرف الهدوء!
ريمار لا يُحارب العدو الفرنسي أو الإنجليزي، يُحارب فكرة”العدو” نفسها؛ لأن العدوُّ الحقيقيُّ دائمًا في الخلف،يُمسك بالقلم ويُوقّع أمر الاقتحام، كان يتحدث عن الحكام والرؤساء والقادة العسكريين، فالبسطاء من الشعوب هم من يدفعون غالبا ثمن الحروب!
أنصت جيدا لهذا النشيج، بعد أن اضطر بأن يدفع بحربة بندقيته في صدر جندي من الأعداء، دخل في مونولوج باك، كانت تلك المرة الأولى التي يقتل فيها إنسان عن قرب ” وفي وطأة الصمت والظلام ألفيتني اناجى الميت وكأنه يسمعني:أيها الزميل -ـ لم أكن انوى قتلك ولو وثبت الى هنا مرة ثانية فلن أفعل شيئا يضرك، إذا أمسكت يدك عني.. لكنك كنت فكرة تجسمت في خيالي قبل مجيئك.. وشغلت فراغ ذهني،وكان لابد لها أن تلقى نهايتها المحتومة.. أ نا لم أطعنك،وإنما طعنت هذه الفكرة المخيفة التي تسلطت علي، فكرة المباغتة والمبادأة.. لكنني أرى الآن وللمرة الأولى، أنكانسان مثلى.. كنت أفكر من قبل في قنبلتك اليدوية، وفي حربتك، وفي بندقيتك، أما الآن فلست أرى الا زوجتك ـ أو أمك ووجهك، وزمالتك.. اغفر لى أيها الزميل واصفح عنى،فنحن لا نفتح أعيننا الا بعد فوات الأوان اصفح عنى أيها الزميل.. لم لا يقال لنا أنكم بؤساء مثلنا، وان أمهاتكم أو زوجاتكم يتلهفن لوعة وجزعا مثل أمهاتنا وزوجاتنا، وأنناجميعا نشترك فى الخوف من الموت، وأننا سواء فىالاحتضار والنزع؟ اصفح عني ايها الزميل.. كيف يمكن أن تكون عدوا لي؟ لو اننا طرحنا هذه البنادق والكسى العسكرية، لما كنت لا أخا لي خذ عشرين سنة من حياتي أيها الزميل، وقم.. بل خذ أكثر من هذه المدة، فلست أدري بعد الآن كيف انتفع بهذه الحياة”.
ومع ذلك لم يُمنح نوبل؟
لأن جائزة نوبل تُمنح لمن يكتبون عن الإنسان، أما ريمارك فكتب عن بقايا إنسانٍ بعد أن نزعت عنه إنسانيته بسبب القصف المتواصل، واضطراره للقتل، وتخيل أعداءه ومنحهم صفة الوحوش ومن ثم تحول هو أيضا إلى كائن متوحش، أو لأنهم لم يجدوا في روايته “أدبًا راقيًا”، بل وجدوا دمًا على الورق، ودمٌ على الورق لا يُزيّن مكتبةً سويدية، وربما كان هناك سبب آخر وهو أن الألماني توماس مان نال الجائزة في نفس عام نشر الرواية، وكان مان يكتب عن سقوط مجرد سقوط، أما ريمارك فكتب عن “انهيار”،والانهيار أصخب من السقوط، ولا يُناسب الاحتفالات.
لقد تمت السخرية من لجنة نوبل تقريبا في كل انحاء العامل، فقد كان عمل ريمارك نبيلا إلى أقصى حد ممكن، لأنه يحكي عن واقع عالمي عاشه كل إنسان على الكرة الأرضية فكيف لايمنح ريمارك جائزة نوبل؟! لقد منح توماس مان نوبل عن رواية هي آل بودنبروك والتي نشرت عام 1901، أما رواية كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، فنشرت عام 1929 وهو نفس العام الذي حصل فيه مان على نوبل.
إذا مررتَ في مكتبةٍ ورأيتَ” كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” تطل من بين الزجاج، فلا تمسك بها فقط بل حاول تقبيلها، فربما ستشعر ببرودة الموتى وأنهار الدماء التي سالت في الحرب العالمية الأولى تتسرب من بين صفحاتها.
هذه ليست رواية، إن قيمة هذا العمل الحقيقية أنها شهادةُ على جريمةٍ ضدّ الإنسانية التي لم تُحاكَم بعد، أو نوع من الجينوسايد Genocide مازال يمارس للآن على الكرة الأرضية وبكل وضاعة، وأمام عيون حكومات باردة قبيحة، أما ريماركف لم يكن كاتبًا فقط، بل شاهد عيان لا يملك إلا الكلمات ليصرخ بها في وجه الحكومات والقادة الموتى والأحياء منهم على حدّ سواء متهما إياهم بعبادة الموت والخراب.
في هذا النصّ تتكاثرُ المفارقاتُ حتى تصيرَ هي الأصل؛فالعنوان يُعلِن «الهدوء» بينما الجملةُ التالية تُلغيهُ فورًا: «لكن الجحيم لم يهدأ قط». هذا التصادمُ اللغويُّ هو مفتاحُا لمقطع؛ إذ يُصوّرُ بضربةٍ واحدةٍ أنّ ما يبدو سكونًا هو في الحقيقة انفجارٌ مُرجّأ. ثمّ تأتي صيغةُ «الشهادة» لا«السرد»، فالكاتب لا يُحكي بل «ينزع قناعًا» و«يسكب دماء»، فيُسقطُ الحدودَ بين الأدب والتشريح، وبين الورق والجسد. بعدها يُقلبُ الزمنُ رأسًا على عقب: الستّةُ أسابيعِ الكتابة تُوازِنُ عشرَ سنواتِ كوابيس، فيُصبحُ الصيفُ الزراعيُّ سجلاً للمجزرة، والقلمُ سكينًا جراحيّة. يلي ذلك تدفّقُ صورِ «الخديعة» التي تتكرّرُ بإيقاعِ «يُقنعونك… بينما أنت»، فتتحوّلُ الجملةُ إلى مطرقةٍ إيقاعيةٍ تدكُّ فكرة الوطن والعدوّ حتى تتداعى. وأخيرًا يُقحَمُ القارئُ مباشرةً في لحظةِ الاكتشاف: «امسك الكتاب بقوّة… ربما شعرتَ بدمٍ بارد»، فيتحوّلُ النصُّ من مقروءٍ إلى ممسوسٍ، والمكتبةُ إلى مسرحِ جريمة. هكذا يُصبحُ الأسلوبُ نفسهُ ما حملة؛ كلُّ تشبيهٍ هو شظية، وكلُّ تكرارٍ هو نزيف، وكلُّ صيغةٍ أمرٍ هو دعوةٌ للقارئِ أن يُخرجَ جرحَهُ من جيبه ويُقرّ بأنّ الدمَّ لا يجفُّ أبدًا.
بقلم:
د. زين عبد الهادي
الكاتب والأكاديمي




